توقفت أمام العمارة الشاهقة؛ ظللت أتطلع لها في صمت، أستجمع أفكاري، أسترد ذكريات قديمة عن مُضيّفي، من قبيل الاطمئنان الظاهري، قلت:
نعم.. العنوان مضبوط، كما هو مكتوب: ..
الشارع.
رقم العمارة.
العلامات الإرشادية من"
محل عصير القصب.
المقهى الصغير البلدي الذي تفوح منه رائحة المعسّل العطنة بكثافة.
محل الجزارة.
دكان البقالة.
متجر للملابس النسائية والأطفال، حتى المطبات والحُفر، جميعها كما هو مذكور ومدوّن عندي.
ونظرًا لأن الكهرباء مقطوعة، فقد صعدت السلالم ببطء تستحقه شيخوختي المبكرة، ولكي أراوغ التعب؛ ظللت أتذكر حوادث قديمة ومواقف مررت بها مع "الحاج عنتر".
فيما رواه لي من قبل، أنه لَازَمَ أبي سنوات، كما صَحبَه في سفره الأخير. وقد انتظره في موعد عودته على محطة القطار -حسب الاتفاق- ، لكن أبي أخلّ بموعده معه.. هكذا قال "عنتر" وهو يتذكر صداقته بأبي، قال هذا ولم يُبد عليه الزعل أو الحنين للذكرى.
لقد بعث الشيخ في طلبي، أخبرني الرسول أن "عم عنتر" انتقل إلى سكن آخر، شقة في بناية حديثة، أثاث وعفش جديد؛ وكذلك أجهزة كهربية لا تصلح المعيشة الحالية إلّا بها، شدّد الرسول على ضرورة أن ألقاه كما طلب وكما حدّد في الموعد.
صعدت درجات سلم لا حصر لها. رحت أهمس: ترى أين الطابق التاسع؟ يبدو أنني شردت قليلًا حتى أظنني أخطأت الدور، فهل تجاوزته وصعدت للأعلى؟
لا إشارة على السلم تدلّ على رقم الطابق، كذلك لا إشارة هاتفية، فهل أدق على أبواب الشقق لأسأل عن الرجل؟
لم أنتظر، دققت برفق على أقرب باب، سمعت أقدامًا ثقيلة تزحف من الداخل، صريرًا وأنينًا وسعالًا، جميعها اختلط ببعضه، ثم:
-من؟
قلت:
أنا فلان؛ أبحث عن "عم عنتر"، هو صديق لأبي الراحل، أتعرفه؟
-أين يسكن؟ أقصد في أي طابق؟ أفي هذه العمارة؟ العنوان مضبوط؟
انتظرت في ملل حتى يصمت الرجل، ثم عاجلته:
-يقطن هنا، في الدور التاسع، أُحيل إلى المعاش منذ بعيد.
أجاب الرجل من خلف بابه، خطواته ترتد تدريجيًا للداخل:
-لا أحد هنا بهذا الاسم.
-لا أحد؟
من بين سعاله، تجاهل اعتراضي وأكمل:
-كما أن العمارة من سبعة أدوار فقط، المالك - الحاج عبد الستار - انتوى عند بنائها أن تكون عشرة أدوار، لكن لم يمهله عزرائيل الوقت الكافي لذلك.
-----
ولأني اعتدت على المفاجآت؛ فقد أخرجتُ الورقة المدفونة في جيبي، المدوّن فيها تفاصيل العنوان.
راجعتها بتأنٍ. البيانات مطابقة للواقع من حولي، عدا شيء واحد مخالف:
- أن التاسع لا وجود له، بل ولا الثامن أيضًا.