سعيد حجي - تلصص عاطفي...

#بعد شهور طويلة من التلصص العاطفي الصامت، من مراقبتها عن بُعد كما يراقب الفقير واجهة محل فاخر يعرف مسبقا أنه لن يشتري منه شيئا، وقفتُ أمامها أخيرا.
كنت أراها كل صباح تقريبا تعبر ممرات الحي الجامعي بخطوات هادئة، تحمل كتبها إلى صدرها كأنها تحتمي بها من العالم. لم تكن الأجمل في الكلية، ولا الأكثر ضجيجا بين الطالبات، لكنها كانت تملك داخلها ذلك الشخص الغامض الذي يجعل الإنسان يلتفت رغما عنه. ربما الحزن الخفيف في عينيها، ربما هدوؤها الذي يشبه التعب، أو ربما لأنني أنا أيضا كنت أبحث عن وجه يشبهني وسط ذلك الخراب الجماعي الذي نسميه حياة جامعية...
كنت أراها من بعيد داخل المكتبة، في الطابور الطويل أمام المطعم الجامعي، قرب المغسلة الجماعية وهي تغسل كوب الشاي البلاستيكي بعناية مبالغ فيها، كأنها تحاول أن تنظف حياتها كلها لا مجرد كوب رخيص...
أحيانا كانت ترفع رأسها صدفة، فأخفض بصري بسرعة، ليس خجلا فقط، انما لأن الإنسان الفقير يخجل حتى من مشاعره. يشعر دائما أن الحب ترف لا يحق له...
في ذلك المساء، كانت الشمس تموت ببطء فوق الحي ، بلون برتقالي باهت يشبه التعب.
رأيتها تهمّ بالخروج من البوابة الخلفية، تمشي وحدها بخطوات متثاقلة، كأن اليوم الدراسي مرّ فوق جسدها كعربة قديمة.
لا أعرف من أين جاءتني الجرأة.
ربما من الجوع، لأن الجائع يصبح مستعدا للمغامرة بأي شيء، حتى بقلبه.
اعترضت طريقها بخجل مرتبك، وابتسامة بلهاء لا تشبهني. شعرت حينها أن الكلمات أثقل من الصخور.
قلت بصوت متردد:
"تاكلي معايا شي حاجة؟"
جملة بسيطة جدا، لكنها خرجت مني وكأنني أقدم اعترافا وجوديا، أو أضع قلبي فوق الطاولة دون حماية.
نظرت إليّ لثوان قصيرة.
لم تبتسم، لم تتفاجأ، لم تتصنع الخجل كما تفعل بطلات الروايات. فقط أومأت برأسها بهدوء.
كأنها لم توافق عليّ أنا، بل وافقت على الطعام.
كأن الجوع سبق الحب بخطوة أخرى.
سرنا جنبا إلى جنب نحو أحد مطاعم القريبة ، تلك المطاعم التي تبدو كأنها أقبية رطبة أُعدّت لإطعام المنسيين.
المكان كان أشبه بمستودع للأرواح المتعبة: بخار كثيف يلتصق بالسقف، رائحة عدس قديم لا تغادر القدر منذ أيام، طاولات متشققة محفور فوقها أسماء عشاق مجهولين وشتائم سياسية وعبارات يائسة مثل: "الحياة حگرة".
الكراسي المعدنية تصدر صريرا حادا يجرح الأذن كلما تحرك أحدهم، والعامل النحيل يحمل الصحون بعصبية كأنه يوزع الهزيمة لا الطعام.
جلسنا قرب الحائط.
الصمت كان يجلس معنا كضيف ثالث.
في الجهة المقابلة، كان بعض الطلبة يلتهمون الطعام بوحشية الجائعين الحقيقيين. أحدهم يلعق أصابعه بشراهة بعد أن أنهى صحن العدس، وآخر يمسح الخبز في قاع الطبق كأنما ينقّب عن آخر ذرة نجاة.
كنا نسمع أصوات الملاعق ترتطم بالأطباق، وشفاها تمتص الحساء الساخن، وتنهدات مكتومة تصدر بعد كل لقمة، تلك التنهدات التي لا تأتي من التلذذ، انما من تأجيل الجوع لساعات إضافية فقط.
أما نحن...
فكنا نحاول أن نبتلع صمتا أثقل من الطعام نفسه.
جاء العدس أخيرا.
صحنان معدنيان تفوح منهما رائحة الكمون والرطوبة والفقر.
تأملت الطبق للحظة وشعرت أن هذا العدس يشبه حياتنا تماما: ساخنا من الخارج، فارغا من الداخل، لكنه مع ذلك قادر على إبقائنا أحياء ليوم آخر.
بدأت تأكل ببطء شديد.
كانت ترفع الملعقة وكأنها تؤدي طقسا حزينا تحفظه جيدا.
في عينيها رأيت سلاما غريبا، سلام الناس الذين تعبوا من مقاومة الواقع فقرروا التعايش معه. لم تكن تأكل بشراهة، بل بحذر، كما لو أنها تخشى أن ينتهي الطعام بسرعة فتعود الحياة إلى قسوتها الأولى.
أما أنا، فكنت ألتهم الطعام دون انتباه حقيقي للطعم.
كنت أراقبها أكثر مما آكل.
وفي رأسي فكرة واحدة تدور بإلحاح مؤلم:
الجوع يربح دائما.
كل شيء آخر يأتي متأخرا.
الحب يأتي متأخرا.
الشعر يأتي متأخرا.
الأحلام تأتي متأخرة.
حتى الكرامة أحيانا تصل بعد أن يكون الإنسان قد استنزف نصف روحه في البحث عن وجبة ساخنة وسرير لا تنبعث منه رائحة العفن.
حين كنت أصغر سنا، كنت أتصور الحب كما تصفه الروايات: نظرات طويلة، رسائل، ارتباك جميل، ومواعيد تحت المطر.
لكن داخل الحي الجامعي، يتغير شكل الأشياء.
الحب هنا لا يبدأ بوردة، انما بصحن عدس.
لا تسأل فتاة عن كتبها المفضلة قبل أن تتأكد أنها أكلت.
ولا تعترف بمشاعرك قبل أن تحسب ما بقي في جيبك من نقود تكفي لأسبوع.
رفعت رأسها نحوي فجأة، وقالت بهدوء:
"العدس اليوم مالح بزاف."
ابتسمتُ لأول مرة بصدق.
تلك الجملة البسيطة بدت لي أكثر حميمية من قصائد الحب كلها.
لأنها خرجت من الجوع الحقيقي، لا من ترف الكلام.
خارج المطعم، كان الليل قد بدأ يهبط ببطء.
المصابيح الصفراء تنشر ضوءا شاحبا فوق الوجوه المتعبة، والباعة المتجولون يجرون عرباتهم كجنود مهزومين بعد معركة طويلة.
سرنا معا بصمت.
لم أطلب رقم هاتفها.
لم أعرض عليها موعدا آخر.
لم أقل لها إنني كنت أراقبها منذ شهور من نافذة المكتبة أو من طابور المطعم الجامعي.
بدا لي كل ذلك ترفا زائدا عن الحاجة.
كنا نسير فقط.
رفيقين مؤقتين في مجاعة كبيرة اسمها الشباب.
وحين وصلنا إلى الساحة السياسية، توقفنا.
نظرت إليّ وابتسمت ابتسامة صغيرة، ابتسامة لا تحمل وعدا ولا رفضا، فقط اعترافا صغيرا بأننا نجونا هذه الليلة من الجوع والوحدة معا.
ثم افترقنا.
هي مضت نحو جناح الطالبات، وأنا عدت إلى غرفتي الباردة في الحي الجامعي، أحمل في بطني عدسا ساخنا، وفي رأسي فكرة مريرة:
في حياة الفقراء، الحب لا يموت دائما بسبب الخيانة أو الفراق...
أحيانا يموت ببساطة لأن ثمن العشاء أهم من القصائد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...