أبو يوسف طه - الجرذان...

دعت الضرورة لأصدر هذا النص الذي أعتبره واسطة عقد ماكتبت في مجال القصة القصيرة
إن قصة ( الجرذان ) تندرج في مايسمى أدب الرعب ورائده إدغار ألان بو ، كافكا ، أورويل الخ ...
اعتمدت في إنجازها ، رغم راهنية موضوعها ، واللبيب يفهم ، على : مسرحية تاجر البندقية لوليام شكسبير ، وفيلم الطيور لألفريد هتشكوك ، ورواية فرانكشتاين لماري شيلي ... و الذكاء الإصطناعي من حيث الإفادة من بعض المعلومات ، فضلا عن الواقع وهو حجر الزاوية ، تعد القصة المذكورة عصارة هذه العناصر وفق أن الأدب وُجد لكتابة الواقع ، وواقع الخيال


قصة
الجرذان


غادر رفائيل مدينة هوخيم الألمانية المحادية لنهر الموزيل تصحبه زوجته وابناه إلى مدينة ( كاف ) إحدى مدن الساحل الإفريقي بعد أن اشترى مساحة شاسعة من الأراضي الفلاحية . انتقاؤه مبرر بالعودة إلى أرض الأجداد التي هاجروها تاركين ممتلكاتهم و قصدوا فلسطين المحتلة ، كان والده عضوا في عصابة شتيرن ، شارك في مقتلة دير ياسين لكن لم ينج فقد قتل غيلة
هيأ رفائيل الأرض بحفر ستة آبار وغرس آلاف أشجار الزيتون ، ومناوبة زراعة البطيخ الأحمر والأصفر ، لم يقف الأمر عند هذا الحد بل أقام خُمّّا للدجاج وحظائر للأغنام والمواشي . وبنى معصرة زيتون ، ومقهى ومتجرا للمواد الغذائية ، وقصرا فاخراً مطلا على البحر ، مستفيدا من مواجهة ضيعته للطريق الرئيس . مردود المشروع هائل ، لكن ذلك لم يصرفه عن قرض الفلاحين قرضا بشرط قاس ، قطعة أرض أو المياومة في الضيعة بما يحدده من أجر مع إضافة نسبة الربى إلى الدين المسترد . الفلاحون في وضع هش ، فلم يجدوا بدا من المصادقة على الصفقة . أراضيهم قاحلة ولاقدرة لهم على استغلالها
تواترت وفادة اليهود من إسرائيل وشرعوا يُعَمِّرون الأراضي التي تؤخذ من الأهالي بحكم الإتفاق مع رفائيل . أصبح العديد من الناس مقيدين وفي ضائقة وكأنهم يطحنون الماء رفائيل يرى في انكسار أمواج البحر المقابل لضيعته صورة لطموحه ، قوة تُخضع كل ما يواجهها . فهو " غريب " غير أن الغريب الذي حمل معه بريق المال وخبث التجارة إسوة بنظرائه في ألمانيا . أرض شاسعة ، قصر منيف ، استعباد فلاحين بسطاء لايعرفون غير الكد والعرق . بمكر هادىء ، فتح لهم باب العون بابتسامة صفراء ، واضعا شرطا صغيرا . ( من عجز عن السداد ، فليقتطع من الأرض شبرا لي ) . مع توالي المواسم العجاف ، بدأت اراضي الفلاحين تتآكل لصالح ضيعته ، فتحول أصحاب الأرض إلى أجراء مهانين في مِلكهم القديم ، ضاقت بهم السبل ، فمنهم من لزم الصمت بمرارة ، ومنهم من هاجر خلف الآفاق ، تاركين خلفهم دعوات مكتومة في جوف الليل
كان حديث الأسرة عند اجتماعهم التندر على الفلاحين بأشكالهم وطريقة أكلهم ولباسهم وعاداتهم . الزوج والزوجة والإبنان . كل الأسرة تُجْمِع على أن هؤلاء حيوانات منذورة للخدمة والذبح ، لايستثنى أحد مهما كان عمره وجنسه ، بدءا بالرضع ... انتهى إلى الفلاحين مايسمهم به رفائيل ، وبفطرتهم كان رد فعلهم على الإهانة الفظيعة ، تداول اسمه هكذا (ركشتن ) نطق الإسم مُصَحَّفًا ، مجاراة خاطئة لماسَمًَى به معلمُ القرية رفائيل القاسي الخبيث ، آكل لحوم البشر غير المنتمي إلى فصيلة الإنسان ، فهو المسخ ( فرانكشتاين ) كما في رواية الكاتبة البريطانية ماري شيلي لكنه من صنع الشيطان
في تلك الليلة القمراء كان رفائيل ، بعد انسحاب الزوجة والإبنين ، مستمرا في جلسته في شرفته ، منتشيا بمنظر ضيعته التي ابتلعتِ القرية
ساد هدوء مريب ، هدأ فيه صوت الأمواج . فجأة سَمِعَ صوتا خافتا ، خدشا منتظماً يأتي من أسفل الجدران ، ظنه في البداية وهما ، لكن الصوت تصاعد ليصبح طنينا مرعبا كزحف جيش عرمرم
من عتمة الحقول ، ومن بين شقوق الأرض التي اغتصبها ، بدأت جحافل تظهر ، لم تكن طيورا كفيلم ألفريد هتشكوك بل كانت الأرض نفسها ترد الصاع . آلاف الأعين الحمراء الصغيرة لمعت في الظلام ، جحافل من الجرذان الضخمة ، خرجت من جحورها وكأنها استيقظت بصرخة واحدة
حاول رفائيل الذي أصيب من فرط الهلع بخرس إغلاق الأبواب لكن القوة كانت غاشمة . بدأت الجرذان تتسلق الأسوار المنيعة بخفة شياطين ، تتدفق على النوافذ وتخترق ألفتحات الصغيرة بمرونة مرعبة . لم تكن تطلب طعاما ، بل كانت تتحرك سعيا وراء أمر واحد ( رفائيل ) الذي تذكر في هذه اللحظة ، وجوه الفلاحين الذين شرد عائلاتهم ، ورأى في هجومها المنظم روح انتقام جماعي
حاصروه في ردهة القصر ، كان المشهد سينمائيا بامتياز ،
سحابة سوداء من الفراء والأسنان الحادة تطوقه ، بينما وقف هو عاجزا ، يرتعد وسط صمت القرية المهجورة . لم يسمع الجيران صراخه فقد غطى عليه صوت قرص الأسنان وهي تلتهم كل شيء . مع أول ضوء الفجر لم يجد الناس أثرا لرفائيل وزوجته وابنيه ، ولالقصره ، فقط أرضا خالية عادت لصمتها القديم ، وجرذان اختفت كأنها لم تكن سوى كابوس بعثته لعنة الأرض لتسترد حقها ، بل اختفى الذين وطَّنَهم رفائيل . طاروا كالغربان

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...