علي سيف الرعيني _|اليمن :شعب ترفض الارض غيابه !!

في صنعاء لا تُقاس الحياة بعدد الأيام بل بعدد المرات التي انتصر فيها الإنسان على انكساره هنا لا يسكن الناس المدينة فقط بل تسكنهم في لهجتهم، في ملامحهم، في صبرهم الطويل وفي تلك الكرامة التي ترفض أن تنحني مهما اشتدت الرياح.
صنعاء ليست عاصمة تتوسط الجغرافيا بل قلبٌ قديم يخفق باسم اليمن كله مدينةٌ إذا ضاقت الدنيا على أهلها، اتسعت أرواحهم أكثر في أزقتها العتيقة، وفي نوافذها المزخرفة بالحكايات يقف التاريخ شاهدًا على شعب تعلّم أن يحمل وجعه بصمتٍ نبيل وأن يحوّل القهر إلى قدرة، والحرمان إلى صلابة
كم مرة حاولت الظروف أن تكسر هذا الإنسان اليمني؟
وكم مرة ظنّ العالم أن التعب سيُسقطه؟لكنه، في كل مرة، كان ينهض من بين الركام كأن الأرض نفسها ترفض غيابه
لأن من تربّى على هذه التربة لا يعرف الهروب من وطنه بل يعرف كيف يحمله في صدره حتى وهو يختنق والكرامة هنا خبزٌ يوميّ، وقرارُ حياة
اليمني قد يجوع قد يتعب، قد يضيق به الحال حتى آخر حدوده، لكنه يظل متمسكًا بشرف البقاء، رافضًا أن يبيع انتماءه مقابل نجاةٍ مؤقتة
إنه يعرف أن الأوطان لا تُحفظ بالخطابات، بل بالثبات عليها حين تصبح كلفة الحب باهظة.
وصنعاء، بكل ما مرت به، لم تكن يومًا مدينةً لطرفٍ دون آخر ولا وطنا لفئة دون غيرها.
اليمن ليس ملكا لأحد، ولا إرثًا سياسيا يُوزع بحسب القوة، بل بيتٌ واسع لكل اليمنيين بلا استثناء شمالهم وجنوبهم شرقهم وغربهم، من حملوا الحلم ذاته وإن اختلفت الطرق
فالوطن لا يُختصر في جماعة ولا يُختطف باسم قضية، لأن اليمن أكبر من الجميع وأبقى من الجميع
إن أخطر ما يواجه الأوطان ليس الحرب وحدها، بل فكرة الإقصاء، حين يتحول الأخ إلى غريب، والشريك إلى خصم.
وحينها يصبح الدفاع عن اليمن دفاعًا عن حق الجميع فيه، لا عن سلطة أحد عليه.فمن أحب هذه الأرض حقًا، لا يحتكرها بل يفتح قلبه لها ولأهلها جميعًا الارتباط بالأرض ليس مجرد انتماء بل علاقة مصير
الفلاح الذي يحرث تربته بصبر الأنبياء، والأم التي تنتظر أبناءها عند أبواب الغياب، والجندي الذي يحرس الحلم ولو كان جائعًا، والموظف الذي يذهب إلى عمله رغم خيبة الراتب
وصنعاء، رغم الحصار والوجع والتعب، ما تزال ترفع رأسها كأمٍّ تعرف أن أبناءها سيعودون مهما طال التيه مدينةٌ تقاوم روحيًا قبل أن تقاوم سياسيًا، وتؤمن أن النجاة تبدأ من الداخل، من يقين الإنسان بأن الوطن يستحق
لهذا حين نكتب عن صنعاء فنحن لا نكتب عن مدينة بل عن هوية عن كرامة
عن وطن ينزف لكنه لا يستسلم
عن شعبٍ قد يتألم كثيرا لكنه لا يقبل أن يعيش بلا معنى
وستبقى صنعاء، كما كانت دائمًا رمزا للصمود لا لأن الألم غاب عنها، بل لأنها رفضت أن تسمح له بأن يهزمها وستبقى اليمن وطن الجميع لا بوثيقةٍ سياسية بل بحقيقةٍ أعمق من كل النزاعات أن الأرض تعرف أبناءها، وأن من زرع فيها قلبه، لا يمكن أن يكون غريبًا عنها أبدا !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...