في مساء ثقيل من مساءات الحي الجامعي، كانت الغرفة تبدو كأنها قطعة حجر اقتُلعت من جبل مهجور ورميت بين الممرات الطويلة التي تعج بأقدام الطلبة وروائح الرطوبة والعَرَق والشاي الرخيص...
الجدران المتشققة كانت تحتفظ ببرودة قديمة، برودة تشبه ذاكرة عجوز عاش زمنا طويلا في الخسارات.
المصباح المعلق في السقف يطلق ضوءا أصفر متعبا، ضوءا يشبه عيني موظف قضى عمره كله خلف شباك إداري لا يرى منه سوى وجوه المنهكين.
في الخارج كانت السماء تميل ببطء نحو العتمة، وكان صراخ الطلبة في الممرات يصعد ثم يخفت ثم يعود من جديد مثل أمواج بعيدة تضرب صخرة معزولة.
مسيكة" كان جالسا قرب النافذة الصغيرة، يشحر براد الشاي" بالنعناع بعناية ناسك يؤدي طقسا مقدسا.
حركاته بطيئة، دقيقة، مألوفة إلى درجة أنني كنت أستطيع تخيلها حتى وأنا مغمض العينين.
صوت احتكاك الملعقة بجدار الكأس كان يملأ الغرفة بشيء من الطمأنينة المؤقتة، تلك الطمأنينة التي يعثر عليها الفقراء في التفاصيل الصغيرة لأن الحياة الكبيرة غالبا ما تهملهم.
رائحة النعناع الساخن بدأت تنتشر في المكان، واختلطت برائحة الكتب القديمة والأغطية الرطبة ودخان السجائر المتسلل من الغرف المجاورة...
كان وقت العصر دائما لحظة هدنة بيننا وبين العالم.
هدنة قصيرة مع المحاضرات التي تلتهم النهار، مع وجوه الأساتذة التي تشبه نشرات الأخبار، مع دفاتر الملاحظات التي تمتلئ بالكلمات الفارغة أكثر مما تمتلئ بالأفكار، مع شعور ثقيل بأننا نركض داخل طاحونة ضخمة لا نعرف من يديرها ولا لماذا ندور فيها بهذا العناء...
مددت يدي نحو صندوق الأمتعة الموضوع تحت السرير الحديدي.
الصندوق كان مليئا بأشياء تشبه بقايا حياة أخرى: قمصان قديمة، رسائل ممزقة، كناشات، صورة باهتة وهي تبتسم بطريقة خجولة، وجوارب ضاعت أزواجها منذ زمن بعيد.
وسط تلك الفوضى كان الناي نائما مثل طفل منسي.
أخرجته ببطء.
تحسست خشبه بأصابعي كما يتحسس الأعمى وجه شخص يحبه.
ذلك الناي لم يكن آلة موسيقية بالنسبة إليّ، كان عضوا سريا من جسدي، شيئا يشبه ضلعا إضافيا أو جرحا قديما تعلم كيف يتنفس.
تذكرت البائع الجوال الذي أخذ مني المقراج القديم مقابل هذا الناي.
ضحك وقتها وقال إنني خاسر في هذه الصفقة.
كنت أعلم في داخلي أنني ربحت شيئا لا يعرف هو كيف يقاس.
المقراج كان يطهو الطعام، أما الناي فكان يطهو الروح نفسها.
مدة طويلة مرّت دون عزف.
كانت الحياة في الحي الجامعي تستهلكنا بطريقة وحشية.
أيام كاملة تضيع بين الطوابير والمحاضرات والجوع والانتظار والضجيج والقلق من الغد.
حتى الحزن نفسه صار يحتاج إلى موعد مسبق كي نجده.
وضعت الناي على شفتي.
في البداية خرج الصوت مترددا، خائفا، كأن القصبة نسيتني أو نسيت كيف تبكي.
ثم شيئا فشيئا بدأ الأنين يصعد من داخله.
عزفت "بصحتك الخاتم ديريه" لمحمد بالخياطي، وغرقت في النغمة منذ النفس الأول.
كان الصوت يخرج محملا بشيء أعمق من الموسيقى.
شيء يشبه التعب المتراكم في أرواح الفقراء.
شيء يشبه رجفة يتيم يسمع باب الدار يفتح ليلا فيظن أن أباه عاد من الموت.
كل نغمة كانت تمشي داخل الغرفة مثل شخص جريح يبحث عن مكان يجلس فيه.
توقف مسيكة عن إعداد الشاي.
بقي واقفا، يحمل الكأس في يده دون حركة.
التفت نحوي ببطء، ورأيت دمعة طويلة تنزل على خده.
لم يمسحها.
تركها تنحدر بحرية كما لو أنه كان ينتظرها منذ سنوات.
واصلت العزف.
كان الناي يئن بطريقة تجعل الجسد كله يصير أذنا.
حتى السرير الحديدي بدا كأنه ينصت.
حتى المصباح المرتعش في السقف بدا أقرب إلى قلب صغير يرتجف معنا.
شعرت فجأة أن الغرفة اتسعت.
أن الجدران ابتعدت.
أن الحي الجامعي كله صار مجرد نقطة صغيرة في عالم أكبر من البؤس وأكبر من الأحلام المؤجلة.
مسيكة جلس أخيرا على طرف السرير، منحني الرأس، غارقا في شيء بعيد.
وجهه كان شاحبا بطريقة أخافتني.
كنت أعتقد فعلا أن روحه ستخرج مع كل نغمة.
في تلك اللحظة فهمت لماذا يبكي الناس حين يسمعون الناي.
الناي لا يعزف على الأذن، كان يعزف على الندوب القديمة المختبئة داخل الإنسان.
يفتح الأبواب التي نقضي العمر نحاول إغلاقها.
يعيد أصوات الذين رحلوا، رائحة البيوت الأولى، صقيع الطفولة، وجوه الأمهات المتعبات، ضحكات الأصدقاء الذين ابتلعتهم المدن، الطرق الترابية، ليالي المرض، الخوف الأول، الحب الأول، والهزائم الصغيرة التي تراكمت فوق القلب حتى صار ثقيلا كحجر مبلل.
كنت أعزف وأشعر أنني أفرغ شيئا عالقا داخلي منذ سنوات.
كأن الناي صار فمي الحقيقي أخيرا.
كأن كل الكلمات التي عجزت عن قولها تحولت إلى أنين طويل يخرج من ثقوب القصب.
في الخارج كان المساء يزداد زرقة.
ضوء النوافذ المقابلة بدأ يشتعل غرفة بعد أخرى.
ضحكات طالبات الجناح المقابل كانت تصل خافتة ثم تضيع في الممرات.
الريح الباردة كانت تحرك ستارة النافذة المهترئة مثل علم قديم لدولة منسية.
شيئا فشيئا بدأ الطلبة يتجمعون عند باب الغرفة.
أول الأمر دخل واحد، ثم اثنان، ثم صاروا يأتون جماعات صغيرة.
بعضهم كان يقف صامتا.
بعضهم يجلس على الأرض.
بعضهم يضع رأسه على الحائط ويغلق عينيه كأنه يصلي.
لم يكن أحد يتكلم.
الناي وحده كان يتكلم نيابة عنا جميعا.
في تلك اللحظة لم نعد طلبة جامعة.
صرنا كائنات هاربة من تعب العالم، اجتمعت حول صوت يحاول تضميد أرواحها لبعض الوقت.
تذكرت نافذة الطالبة التي كانت تقابل غرفتنا.
كم مرة انتظرت ظهورها كأحمق يراقب نجمة بعيدة.
كم مرة ظننت أن الحب سينقذني من هذا الخراب الداخلي.
في ذلك المساء لم أعد أفكر فيها.
الناي ملأ كل الفراغات.
حتى القلب بدا مكتفيا بحزنه الخاص.
العزف كان يشبه رساما يغمس ريشته في جرحه ثم يرسم.
شيئا قريبا من ألم بيكاسو حين كانت الوجوه المشوهة تخرج من لوحاته كصرخات محبوسة.
الفن أحيانا يولد من الأماكن التي يتعفن فيها الوجع طويلا.
استمررت ساعة كاملة أعزف دون أن أشعر بالوقت.
الشاي برد فوق الطاولة.
النعناع فقد رائحته.
الليل تمدد خلف الزجاج.
أصوات الممرات خفتت.
حتى الحارس الليلي مر قرب الباب ثم أكمل طريقه بصمت كأنه فهم أن شيئا مقدسا يحدث هنا.
وحين توقفت أخيرا، شعرت بإرهاق عميق.
إرهاق يشبه من بكى دهرا كاملا.
كان الصمت ثقيلا بعد آخر نغمة.
صمت واسع، عميق، مؤلم.
مسيكة رفع رأسه نحوي، وكانت عيناه حمراوين.
ابتسم ابتسامة صغيرة متعبة وقال بصوت خافت:
"هاد الناي فيه شي حاجة ماشي ديال هاد الدنيا."
ولأول مرة منذ زمن طويل شعرت أننا لسنا وحيدين تماما.
أن الإنسان يمكن أن يجد وطنا مؤقتا داخل نغمة.
أن قطعة قصب مثقوبة قادرة أحيانا على إنقاذ ما تعجز عنه الكتب والمحاضرات والفلسفات وكل الكلام الكبير الذي يملأ العالم دون أن يخفف وجع أحد.
الجدران المتشققة كانت تحتفظ ببرودة قديمة، برودة تشبه ذاكرة عجوز عاش زمنا طويلا في الخسارات.
المصباح المعلق في السقف يطلق ضوءا أصفر متعبا، ضوءا يشبه عيني موظف قضى عمره كله خلف شباك إداري لا يرى منه سوى وجوه المنهكين.
في الخارج كانت السماء تميل ببطء نحو العتمة، وكان صراخ الطلبة في الممرات يصعد ثم يخفت ثم يعود من جديد مثل أمواج بعيدة تضرب صخرة معزولة.
مسيكة" كان جالسا قرب النافذة الصغيرة، يشحر براد الشاي" بالنعناع بعناية ناسك يؤدي طقسا مقدسا.
حركاته بطيئة، دقيقة، مألوفة إلى درجة أنني كنت أستطيع تخيلها حتى وأنا مغمض العينين.
صوت احتكاك الملعقة بجدار الكأس كان يملأ الغرفة بشيء من الطمأنينة المؤقتة، تلك الطمأنينة التي يعثر عليها الفقراء في التفاصيل الصغيرة لأن الحياة الكبيرة غالبا ما تهملهم.
رائحة النعناع الساخن بدأت تنتشر في المكان، واختلطت برائحة الكتب القديمة والأغطية الرطبة ودخان السجائر المتسلل من الغرف المجاورة...
كان وقت العصر دائما لحظة هدنة بيننا وبين العالم.
هدنة قصيرة مع المحاضرات التي تلتهم النهار، مع وجوه الأساتذة التي تشبه نشرات الأخبار، مع دفاتر الملاحظات التي تمتلئ بالكلمات الفارغة أكثر مما تمتلئ بالأفكار، مع شعور ثقيل بأننا نركض داخل طاحونة ضخمة لا نعرف من يديرها ولا لماذا ندور فيها بهذا العناء...
مددت يدي نحو صندوق الأمتعة الموضوع تحت السرير الحديدي.
الصندوق كان مليئا بأشياء تشبه بقايا حياة أخرى: قمصان قديمة، رسائل ممزقة، كناشات، صورة باهتة وهي تبتسم بطريقة خجولة، وجوارب ضاعت أزواجها منذ زمن بعيد.
وسط تلك الفوضى كان الناي نائما مثل طفل منسي.
أخرجته ببطء.
تحسست خشبه بأصابعي كما يتحسس الأعمى وجه شخص يحبه.
ذلك الناي لم يكن آلة موسيقية بالنسبة إليّ، كان عضوا سريا من جسدي، شيئا يشبه ضلعا إضافيا أو جرحا قديما تعلم كيف يتنفس.
تذكرت البائع الجوال الذي أخذ مني المقراج القديم مقابل هذا الناي.
ضحك وقتها وقال إنني خاسر في هذه الصفقة.
كنت أعلم في داخلي أنني ربحت شيئا لا يعرف هو كيف يقاس.
المقراج كان يطهو الطعام، أما الناي فكان يطهو الروح نفسها.
مدة طويلة مرّت دون عزف.
كانت الحياة في الحي الجامعي تستهلكنا بطريقة وحشية.
أيام كاملة تضيع بين الطوابير والمحاضرات والجوع والانتظار والضجيج والقلق من الغد.
حتى الحزن نفسه صار يحتاج إلى موعد مسبق كي نجده.
وضعت الناي على شفتي.
في البداية خرج الصوت مترددا، خائفا، كأن القصبة نسيتني أو نسيت كيف تبكي.
ثم شيئا فشيئا بدأ الأنين يصعد من داخله.
عزفت "بصحتك الخاتم ديريه" لمحمد بالخياطي، وغرقت في النغمة منذ النفس الأول.
كان الصوت يخرج محملا بشيء أعمق من الموسيقى.
شيء يشبه التعب المتراكم في أرواح الفقراء.
شيء يشبه رجفة يتيم يسمع باب الدار يفتح ليلا فيظن أن أباه عاد من الموت.
كل نغمة كانت تمشي داخل الغرفة مثل شخص جريح يبحث عن مكان يجلس فيه.
توقف مسيكة عن إعداد الشاي.
بقي واقفا، يحمل الكأس في يده دون حركة.
التفت نحوي ببطء، ورأيت دمعة طويلة تنزل على خده.
لم يمسحها.
تركها تنحدر بحرية كما لو أنه كان ينتظرها منذ سنوات.
واصلت العزف.
كان الناي يئن بطريقة تجعل الجسد كله يصير أذنا.
حتى السرير الحديدي بدا كأنه ينصت.
حتى المصباح المرتعش في السقف بدا أقرب إلى قلب صغير يرتجف معنا.
شعرت فجأة أن الغرفة اتسعت.
أن الجدران ابتعدت.
أن الحي الجامعي كله صار مجرد نقطة صغيرة في عالم أكبر من البؤس وأكبر من الأحلام المؤجلة.
مسيكة جلس أخيرا على طرف السرير، منحني الرأس، غارقا في شيء بعيد.
وجهه كان شاحبا بطريقة أخافتني.
كنت أعتقد فعلا أن روحه ستخرج مع كل نغمة.
في تلك اللحظة فهمت لماذا يبكي الناس حين يسمعون الناي.
الناي لا يعزف على الأذن، كان يعزف على الندوب القديمة المختبئة داخل الإنسان.
يفتح الأبواب التي نقضي العمر نحاول إغلاقها.
يعيد أصوات الذين رحلوا، رائحة البيوت الأولى، صقيع الطفولة، وجوه الأمهات المتعبات، ضحكات الأصدقاء الذين ابتلعتهم المدن، الطرق الترابية، ليالي المرض، الخوف الأول، الحب الأول، والهزائم الصغيرة التي تراكمت فوق القلب حتى صار ثقيلا كحجر مبلل.
كنت أعزف وأشعر أنني أفرغ شيئا عالقا داخلي منذ سنوات.
كأن الناي صار فمي الحقيقي أخيرا.
كأن كل الكلمات التي عجزت عن قولها تحولت إلى أنين طويل يخرج من ثقوب القصب.
في الخارج كان المساء يزداد زرقة.
ضوء النوافذ المقابلة بدأ يشتعل غرفة بعد أخرى.
ضحكات طالبات الجناح المقابل كانت تصل خافتة ثم تضيع في الممرات.
الريح الباردة كانت تحرك ستارة النافذة المهترئة مثل علم قديم لدولة منسية.
شيئا فشيئا بدأ الطلبة يتجمعون عند باب الغرفة.
أول الأمر دخل واحد، ثم اثنان، ثم صاروا يأتون جماعات صغيرة.
بعضهم كان يقف صامتا.
بعضهم يجلس على الأرض.
بعضهم يضع رأسه على الحائط ويغلق عينيه كأنه يصلي.
لم يكن أحد يتكلم.
الناي وحده كان يتكلم نيابة عنا جميعا.
في تلك اللحظة لم نعد طلبة جامعة.
صرنا كائنات هاربة من تعب العالم، اجتمعت حول صوت يحاول تضميد أرواحها لبعض الوقت.
تذكرت نافذة الطالبة التي كانت تقابل غرفتنا.
كم مرة انتظرت ظهورها كأحمق يراقب نجمة بعيدة.
كم مرة ظننت أن الحب سينقذني من هذا الخراب الداخلي.
في ذلك المساء لم أعد أفكر فيها.
الناي ملأ كل الفراغات.
حتى القلب بدا مكتفيا بحزنه الخاص.
العزف كان يشبه رساما يغمس ريشته في جرحه ثم يرسم.
شيئا قريبا من ألم بيكاسو حين كانت الوجوه المشوهة تخرج من لوحاته كصرخات محبوسة.
الفن أحيانا يولد من الأماكن التي يتعفن فيها الوجع طويلا.
استمررت ساعة كاملة أعزف دون أن أشعر بالوقت.
الشاي برد فوق الطاولة.
النعناع فقد رائحته.
الليل تمدد خلف الزجاج.
أصوات الممرات خفتت.
حتى الحارس الليلي مر قرب الباب ثم أكمل طريقه بصمت كأنه فهم أن شيئا مقدسا يحدث هنا.
وحين توقفت أخيرا، شعرت بإرهاق عميق.
إرهاق يشبه من بكى دهرا كاملا.
كان الصمت ثقيلا بعد آخر نغمة.
صمت واسع، عميق، مؤلم.
مسيكة رفع رأسه نحوي، وكانت عيناه حمراوين.
ابتسم ابتسامة صغيرة متعبة وقال بصوت خافت:
"هاد الناي فيه شي حاجة ماشي ديال هاد الدنيا."
ولأول مرة منذ زمن طويل شعرت أننا لسنا وحيدين تماما.
أن الإنسان يمكن أن يجد وطنا مؤقتا داخل نغمة.
أن قطعة قصب مثقوبة قادرة أحيانا على إنقاذ ما تعجز عنه الكتب والمحاضرات والفلسفات وكل الكلام الكبير الذي يملأ العالم دون أن يخفف وجع أحد.