شيماء حسين - الـلاقرار...

فزعتُ
من نومٍ ثقيل، قذفتني يقظتي كأنّني هوِيتُ من كهفٍ سرمديٍّ بلا قاع.
الكابوسُ كان خيانةً كاملة للحواسّ داهمني بكلّ تفاصيله الأبديّة الملعونة. كنتُ أرصد المشهد وأعي وعيه اللزج، لكنّني كنتُ جثةً مشلولةً على فراش التعذيب، لا أستطيعُ حتى أن أكسر خطّ الجاذبيّة الذي يشدّ رأسي إلى وسادتي المبللة بالرعب.
جلستُ على طرف سريري المهزوز، أشفطُ الهواء كمن أعادوهُ للتوّ من الغرق، أنفاسي كانت قذائفَ صدريّة، ونبضاتي تضربُ في جوفي كطبولِ حربٍ قبليّة مجنونة. العطشُ يلسعُ حلقي كحجرِ صوان، بينما الحمّى تتوهّجُ في جسدي كرمادٍ بركانيٍّ ينبتُ الجمر من تحت الجلد.
الظلامُ حولي لم يكن غياباً للضوء، بل كان كياناً يلتهمُ الوجود ذاته، حتى الفوضى العارمة في الغرفة انصهرتْ فيه، وصار الليل كتلةً واحدة من التشتّت والرعب السائل.
الخوف... ذلك العصيرُ السامّ الذي لا يُبطلُ مفعوله إلا بابتلاعِه كاملاً، بدأ يزحفُ في أوردتي الباردة وأنا أُعيدُ تركيب مشهد الكابوس اللئيم.
كنتُ أُدركُ الآن أنّ الموت لا يجيءُ بسكتةٍ عابرة، بل بالخيال حين يرتدي ثوب الحقيقة ويصدّقُ نفسه.
لم أجرؤ على الالتفات جهة اليسار، لأنّ "صاحبَ المشهد" كان كظليّ الشرير هناك، يقتسمُ معي أنفاسَ الغرفة ويُحصي تسرّبَها.
وحين تحرّكتُ لألتفت يميناً، كان اللحظة التي رأيتُ فيها الستار القرمزيّ الملطّخ بالدماء -الذي لم يكن هنا قبل النوم- يتراقصُ بخفّة وهميّة، كأنّ نبضات قلبي المذعورة هي وحدها من تهزّه.
ثمّ انشقّ المشهد، وظهرتْ هي.
كانت تتقدّمُ بخطواتٍ باردةٍ وادعة، بهدوءٍ يشبهُ حذرَ القطط الماكرة. كانت جدائلها الطويلة تتدلّى كأفاعيَ سوداءَ لامعة على كتفيها المرمريَّين، تُغري وتُخيفُ وتُهدّدُ في آنٍ معاً.
وجهها كان إهانةً صارخة للمنطق: نصفُه الأعلى معجزةُ يوسف في الجمال الإلهيّ، ونصفُه الآخر كابوسٌ حقيقيٌّ منسيٌّ ومشوّه. عينٌ يقطرُ منها حنانُ الأمهات، والأخرى تشتعلُ بجمرٍ كأنّها تحرسُ بوّابة جهنّم السفلى.
تقدّمت تلك الهيئة الهجينة بخطواتٍ كأنّها تسيرُ على الجليد، حتى وصلتْ إلى بابٍ خشبيٍّ قديمٍ ومهجور، طرقتْهُ بإصبعٍ شاحبٍ ورقيق، فلم يُجِبْ الصمتُ.
ثمّ انتقلت إلى الباب الثاني المجاور، فطرقتْهُ بالرقة ذاتها. في تلك اللحظة انفتحتْ نافذةٌ صغيرةٌ منهُ بعنف، وامتدّت منها يدٌ غريبةٌ، ضخمةٌ، وخشنة، سحبتْها بقوّةٍ مروّعةٍ إلى الداخل، ثمّ قذفتْ بالجسد خارجاً كدميةٍ خزفيّةٍ مكسورة.
وحين ارتطمت بالأرض الباردة، رأيتها تتحوّلُ في لمحِ البصر: كانت طفلةً رضيعةً لا يتجاوز عمرها الأشهر، نصفُ وجهها مشوّهٌ وقبيح، ونصفها الآخر يشبه صورتها حين كانت يافعة وجميلة.
هنا، انبعثَ صوتٌ حادٌّ وغريبٌ لا أعرفُ من أيّ فجوةٍ في الغرفة خرج، صوتٌ كأنّه نُطقَ من داخل الجمجمة:
– يا بائسة، عليكِ أن تصفعي النصف القبيح، وتعتني بافتتانٍ بالنصف الجميل!
فسألتُهُ، والصوت يخرجُ مختنقاً بسخريةٍ مبطّنةٍ برعبٍ لا يُحتمل:
– وهل يُشفى الزجاجُ المشروخُ في المرآةِ إذا صفعتُ نصفَهُ فقط؟ هل يعودُ الجمالُ المسلوبُ بصفعة؟
ضحك الصوت، ضحكةً تشبهُ غصّةً أو اختناقاً موجعاً، وقال بنبرةٍ تملؤها السخرية والتهديد المتبجّح:
– لن أترككِ أبدًا أنتِ وهذه الطفلة، ولا ذلك الستار الجميل الذي لطّختهُ بدمِ شبابكِ المسلوبِ سُدى...
انهضي الآن، ولا تجعلي الأمانَ يسكنكِ مرّةً أخرى، فقد صار وطنكِ الحقيقيّ هو الخوف!
استيقظتُ وأنا أرتجفُ، أمسحُ على وجهي براحتيَّ الباردتين كمن يحاولُ تنظيفَ بقايا حلمٍ لزجٍ يلتصقُ بالجلد ولا يفارقه.
الستارُ ما زال يتأرجحُ بخفّة غير مبرّرة، والهواءُ ساكنٌ خانق.
هل كنتُ أحلم؟ أم أنّ الكابوسَ قرّرَ هذه المرّة أن يطردني من النوم ويبقى مستيقظاً معي على الفراش ذاته؟
ها أنا ذا، أحاولُ تنظيفَ ما تبقّى من ستار القلبِ المتعبِ الملطّخ،
أبحثُ عن حلٍّ لتلك الثنائيّة الشيطانيّة التي لا حلّ لها:
كيف أعيشُ بين لزومِ الصفعة وضرورةِ الاهتمام؟
بين جمالٍ مسروقٍ ومزيف، وقبحٍ صادقٍ ومؤلم؟
كيف أعيشُ... وأنا نصفُ حقيقةٍ، ونصفُ خيال، ونصفُ حلمٍ، ونصفُ كابوس؟




====
من مجموعتي القصصية
ليتني لم اقرأ فنجاني

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...