عبدالحميد الغرباوي - غداً، ستأتي العربةُ الأخيرة...

الصوتُ في الممرّ لم يكن له رنينٌ. كان مجردَ كشطٍ خفيف على زليج الأرضية المتشقق والمتآكل، كشطٌ ينتظمُ ثم ينقطع.
في الركن، فوق المقعد ذي الذراعين، جلسَ يراقبُ البقعةَ الفاتحة على الجدار. البقعة المستطيلة التي حجبت عنها خزانةٌ الشمسَ لسنوات.
الجدار داكنٌ، متسخٌ، إلا ذلك المستطيل؛ إنه ناصعٌ كفكرةٍ لم تُلمس، أو كأثرِ شيءٍ تم انتزاعه بعنفٍ لم يحدث ضجيجا.
قال لنفسه دون أن يحرك شفتيه:
"غداً، ستأتي العربةُ الأخيرة لنقل ما تبقى".
...
خارج الغرفة، كانت المدينةُ تتخففُ من أطرافها. أصواتُ الجرافات البعيدة لم تكن تبدو كهديرِ هدم، بل كإسفنجةٍ ضخمة تمسحُ الشوارعَ الخلفية زقاقاً زقاقاً.
بالأمس اختفى المقهى ذو السقف القرميدي، واليوم لم يعد بوسعه رؤية مئذنة المسجد القديم من زاويته المفضلة. الأشياء تبتعدُ ليحلّ محلّها فراغٌ أبيض وأملس. فراغٌ يشبه الزجاج المحبب.
نظر إلى ساعته. العقرب الصغير يشير إلى السادسة. العقرب الكبير... لم يكن هناك عقربٌ كبير. لقد سقط منذ زمن في جوف الآلة، وظلّ هو يعدّ الساعات بالحدس، أو بالظلال المتطاولة على الأرضية.
"غداً، ستأتي العربةُ لنقل ما تبقى".
...
في الحوارات القديمة التي دارت في هذه الغرفة، كان هناك دائماً شخصٌ ثالث. شخصٌ لم يُذكر اسمه قط في غيابه، لكن خطوطَ يده كانت محفورةً في انحناءةِ المقابض ونحافةِ الفناجين. عندما غادرتْ ـ أو عندما غادروا، لا فرق الآن ـ سقطت الكثير من الكلمات في الفجوة الفاصلة بين الجمل.
"هل تركتَ الباب موارباً؟"
"لا... ليس تماماً"
"البرد يتسلل من..."
ولم تكتمل العبارة. سقطت الكلمة الأخيرة في المسافة بين الطاولة والباب، وظلت معلقة هناك كجُسيم غبار يرفض الاستقرار.
...
جلس. الإضاءة شحيحة، والرمادي يزحف من الزوايا ليمحو المستطيل الفاتح على الجدار. الأثر يتلاشى الآن، يندمج في العتمة الشاملة.
أخرج من جيبه مفتاحاً ناصعاً. لم يعد يذكر أي قفلٍ يفتح هذا المعدن المصقول، لكنه ظل يحتفظ به، ربما لأن ثقله هو الشيء الوحيد الذي يربطه بجاذبية الأرض.
"غداً، ستأتي العربة... ما تبقى".
...
الهدوء الآن كامل. حتى الجرافات توقفت. لم يعد هناك سوى نبض الصمت، ذلك الصمت الكثيف الذي يبتلع التفاصيل ليترك الوجدان عارياً في مواجهة ليل المدينة المليء بالمفاجآت والأسرار.
"غداً... ما تبقى".
...
"ما...".
ــــــــــــــــــــــــ
الرسمة للفنان التشكيلي الليبي الصديق عنان معيتيق

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...