أحمد عبدالله إسماعيل - عند حواف الغياب...

عجلة الوقت تدور في مَآقِيَّ،
بينما وجهك يسطع كمنارة فوق ذروة "عرفات".
هناك.. حيث يركع التاريخ على ركبتيه خُشوعًا،
وتتطاول رايات الحق كأشجار لا تطالها الريح.
تودع الدنيا بوجه يفيض ضياءً،
وجه يختصر الجلال، ويختزل نبل السلالة.
تغرق كل الجموع في بكائها،
وأنت تهمس في زحام الأرواح برفق موجع:
"لَعَلِّي لا ألقاكم في موسم حب آخر..."
لكنك لم ترحل وتتركهم للعدم؛
لقد علّقت في أعناقهم أمانة مقدسة:
كتاب السماء، تفاصيل خطوك، ونبض سيرتك.
صرخت فيهم:
"لن تتوهوا في تيه الأرض ما دمتم تقبضون على هذا النور،
فإن النجاة سُطِّرَت بين آياته".
خلف ستر شفاف من الغيب يطل وجهك النوراني،
ترقب حشود الحق وهي تصطف في محراب الصلاة،
ترى وجوههم وقد اغتسلت بالمهابة،
بينما الزمان متكئ يدون في دفتره أقدس الصفحات.
تنادي فيهم.. ويصلنا صدى النداء:
إن غَايَة هذا الدين ليست طقوساً جافة،
بل طهارة تسكن القلوب، ورفعة تُحَلِّق بها الغَايَات.
رسالتي رسالتي،
فإيَّاكم أن ترتدوا إلى ظلمات الجاهلية مرتدين ثياب الطغاة!
لا تقتربوا من أصنام الوهم والأنانية،
فإنها وكر الضلال، وآفة العقول.
اعبدوا ربًا واحدًا،
إلهًا تفجرت باسم هداه صرخاتي الأولى.
الله صانع الوجود،
فاجمعوا بـ "الحق" والرحمة أشلاء أرواحكم المبعثرة.
لقد جئتكم والناس شظايا وشراذم،
فلممت الشتات،
ومن ركام الشعوب المحطمة بنيت منارات شامخات.
الظلم في مسيرة الحياة ليل أعمى،
والعدل هو قبس الله الذي يمزق عتمة المجهول.
أما البغي والذم، فخنجر في صدر الحياة،
ولعنة تطوق عنق التاريخ.
الحق، والحق وحده،
هو الحصن الذي يجب أن نذود عنه بأعمارنا،
ليظل التاج الأوحد،
الذي تزدان به الأرض، وتتزين به السموات.
الأرض عرض مقدس،
والدماء خط أحمر لا يجوز تخطيه،
أما المال، فلا يغتسل من درن الشح إلا بفيض الصدقات.
حرية الإنسان هي النجم الذي يدور حوله ديننا،
وهي بوصلتنا المشرعة نحو أفق كل فجر جديد.
والنساء؟
"استوصوا" بالقوارير،
إنهن سحائب الرحمة في زوايا البيوت،
يجلسن على عروش العفاف، ويتزين بـ "الحشمة" كأرفع وسام.
العدل هو قانون الوجود، ودستور البقاء،
فإذا هدمت أركانه وغاب،
اندفعت فيالق الظلم يجرها الخراب، وتملأ المدى بالعويل.
"اللهم قد بلغت، فاشهد!"
صرخة هزت أركان المدى،
أنا الذي لم أفرط يومًا في حق رعيتي،
قلت صدقًا: أمتي أمتي،
ولم أنس يومًا أمانة الرعاة.
إذا ما اشتاقت أرواحكم.. فجِدّوا السير نحو المدينة،
واذكروني هناك عند حواف الغياب؛
فمن زار ضريحي واستنشق عبق خطاي،
صافحته روحي، واشتعلت بالحياة حياته.
ما كنت فيكم بدعًا، ولا جئت من فراغ،
إنما أنا رسول مقتفٍ أثر النور،
مضت من قبلي رسالات،
وبقيت في الأرض هدايات ومواعظ لا تموت.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...