تآكُل

عاشَتْ غُيومٌ عَمْياءُ،
تَجُرُّ أَجْنِحَتَها فوقَ الماءِ الآسِنِ،
وتَتَدَلّى كذَبائِحَ زَرْقاءَ.

وكانَتِ الرّوحُ
تَجُرُّ أَجْنِحَتَها المُبَلَّلَةَ
فوقَ بِلاطٍ مِنَ الأنينِ.

لا أَحَدَ رَأى ذلك...

المدينةُ كانَتْ مَشغولةً
بتَلْميعِ طَواويسِها،
بينما الأعصابُ
تَتَشَقَّقُ
في لَظىً خَفِيٍّ.

كُلَّما عَبَرْتُ شارعًا،
سَمِعْتُ دَمْدَماتٍ
تَخْرُجُ مِنْ حَناجِرِ الإسفلتِ،
كأَنَّ القادِمينَ
يُدْفَنونَ مُسْبَقًا
في أَسْمائِهِم.

والحياةُ،
تلكَ المُومِسُ العَمْياءُ،
قَصَدَتْ أَلّا
تَقْتُلَنا دَفْعَةً واحِدَةً.

كانَتْ تَضَعُ في الحَلْقِ
حَفْنَةَ يَباسٍ،
ثُمَّ تَطْلُبُ مِنّا الغِناءَ.
لهذا
صارَتِ الكَمَنْجاتُ
تُشْبِهُ سُعالَ الأَنْبِياءِ،
والدَّنْدَنَةُ
مِسْمارًا صَغيرًا
في خاصِرَةِ النَّوْمِ.

أحيانًا
كُنْتُ أَرى الهُدى
يَمْشي حافيًا
داخلَ مُتاهاتِ الفَنادِقِ،
ويَطْرُقُ أَبْوابَ النّادِمينَ
بأصابِعَ مِنْ مَطَرٍ.

لكنْ أَحَدًا
لَمْ يَكُنْ يَفْتَحْ.

مَنْ يُنْجيني
مِنْ حُسْنِ ظَنِّي!!
كُلَّما وَضَعْتُ قَلْبي
على الطّاوِلَةِ،
دَخَلَ العَبَثُ
بوَجْهِ نادِلٍ مُهَذَّبٍ،
وأَطْفَأَ المَصابِيحَ.

وكُلَّما حاوَلْتُ
أَنْ أُعَلِّقَ المَراراتِ
خارِجَ رَأْسي،
عادَتْ إِلَيَّ
كَأَراجِيحَ صَدِئَةٍ
تَدورُ في البِئْرِ نَفْسِها.

أَنا مُتْعَبة
بطَريقَةٍ تَجْعَلُ الماءَ
يَبْكي داخلَ فَمي.

كَأَنَّ حَلْقي
مَمَرٌّ مَرَّتْ فيهِ
جُيوشُ الهَجْرِ،
ثُمَّ نَسِيَتْ راياتِها.

في اللَّيْلِ
كانَتِ الأَرْصِفَةُ
تُخْرِجُ أَلْسِنَتَها للمَطَرِ،
وكانَتِ العاصِفَةُ
تُمَشِّطُ شَعْرَ الشُّرُفاتِ
بأصابِعَ مُرْتَجِفَةٍ.

وكانَتِ الأَرْواحُ
تَتَبَدَّلُ
مِثْلَ مَقاعِدِ قِطارٍ.

الرَّجُلُ الَّذي قَبَّلَ يَدَ أُمِّهِ صَباحًا،
كانَ يُخَبِّئُ سِكِّينًا
في جَيْبِ المَساءِ.

والمَرْأَةُ
الَّتي تَضْحَكُ كثيرًا،
كانَتْ تَحْمِلُ في صَدْرِها
مَجاديفَ مَحْروقَةً.

لا شَيْءَ بَريئًا.
حتّى الوَداعةُ
كانَتْ تَرْتَدي قُفّازاتٍ.

العالَمُ
إعادةُ تَدْويرٍ
لِلَوْعَةٍ قَديمَةٍ.

القُرونُ تَتَبَدَّلُ،
والأَنينُ
هوَ نَفْسُهُ...
يُبَدِّلُ الأَقْنِعَةَ فَقَط،
ويَجْلِسُ كُلَّ مَرَّةٍ
في هَيْئَةِ أَبٍ،
أَوْ شُرْطِيٍّ،
أَوْ عاشِقٍ
يَنْسى اسْمَهُ
في مُنْتَصَفِ القُبْلَةِ.

لهذا
لَمْ أَعُدْ أَكْرَهُ أَحَدًا تَمامًا.
البَشَرُ
كَطُيورٍ خَرَجَتْ تَوًّا
مِنْ حَريقٍ سَماوِيٍّ،
وتُرَفْرِفُ الآنَ
بأَجْنِحَةٍ مُتَفَحِّمَةٍ
فوقَ بَحْرٍ
لا يَعْرِفُ اليابِسَةَ.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...