إبراهيم محمود - هكذا كتبتُ قصة حياتي... قصة

1
فكرتُ ذات يوم أن أكتب قصة حياتي. لم لا؟ ماالذي يمنعني عن ذلك؟ من هم هؤلاء الذين كتبوا عن حياتهم قصصاً تشير إليهم؟ لا شيء فيهم يميزهم عنّي لأقول: هذا لا يجوز. لأقول مثلاً: عليّ أن أعرف حدودي. لقد عشت حياة طويلة، ورأيت الكثير مما يغريني بالكتابة ، ليكون لدي قراء كذلك، لأكون كغيري. ماذا؟ لقد قلت " كغيري "؟ هذه العبارة غير موفقة، وإذا أضفت عبارة" إغراء الكتابة "، وعبارة ثالثة تخص الذين كتبوا قصصاً عن حياتهم..أرى أنها لا تليق بكتابة قصة. عليّ أن أنتظر الوقت المناسب!
2
فكرت ذات يوم أن أكتب قصة حياتي. لمَ أكتبها؟ ماذا تكون كتابة القصة سوى النظر بعيداً، واختيار لحظات معينة، والجمع فيما بينها، ومنحها حركة. طبعاً لا بد أن يكون هناك من يسردها، ليقتنع القارىء أنه يقرأ قصة،قصة من النوع العابر لحدود اللغات والقارات كذلك، وإلا فسوف أكون محل سخرية من القارىء. علي أن أتوقف . هكذا توقفت انتظاراً للحظة الأنسب لكتابة القصة .
3
فكرت ذات يوم أن أكتب قصة حياة، تليق بي، بعمري الطويل، بتجاربي الكثيرة. بمشاهد حية، تثير فضول القارىء وحتى نقاد القصة. علي أن أضع عنواناً مناسباً لقصتي. العنوان مثل الباب للبيت. كيف يمكن دخول البيت أو التفكير فيه دون حساب للباب؟ استوقفتني عبارة: العنوان وربطه بالباب. هل من الضروري أن أفكر في الباب قبل البيت؟ ألا أستطيع التفكير في البيت دون أي تطرق إلى البيت، كأن أكون داخله، فلا يعود هناك من يسأل عن الباب؟ رأيتني متوتراً وأنا أركز على العنوان بوصفه باباً. لم أشعر جرّاء ذلك بذلك الدافع المؤهل لكتابة قصة. إذاً لا بد من وقت آخر.
4
فكرت ذات يوم أن أكتب قصة توجز حياتي بكثافتها، بالكلمات المنتقاة. طبعاً لا بد من صور معينة، صور تنبض بالحياة، بالمفارقات. ليكون هناك سرد يجعل من كتابتي قصة جديرة بالقراءة. توقفت هنا أيضاً. تساءلت: ألا أكون تقليدياً بمثل هذه الحالة التي أضع نفسي فيها؟ لا بد من لحظة صاعقة إذاً!
5
فكرت ذات يوم أن أكتب قصة. قصة حياة، يكون لي فيها صوت يُسمّيني، لا بد من فطنة تلفت نظر القارىء إلى أن الذي أكتبه هو قصة. قصة تخصني، بحيث لا يفكر القارىء لحظة قراءتها بأي قصة أخرى. أوووه. لقد جنيت على نفسي بنفسي، وأنا أشترط عليها أن تكون كذا وكذا..كيف أكسِب القصة حرارة كائن حي في وضع كهذا..ضعف حماسي. لا بد أن الوقت المناسب لم يحن بعد.
6
فكرت ذات يوم أن أحيل حياتي الطويلة إلى قصة مستوفية شروطها، وتتجاوب مع ذائقة القارىء من النواحي كافة. علي أن أضع القلم بين يدي وأباشر الكتابة. سحقاً! لماذا أضع القارىء بدوره في الواجهة؟ أأكون بالطريقة هذه قادراً على كتابة قصة فعلية؟ ومن يكون القارىء هذا، لأعطيه اعتباراً من هذا النوع، وتفكيري ينصب على ما هو جديد، لا علاقة للقارىء هنا به؟ وقلت" القلم " أيضاً. وأنا منذ زمان طويل تركت القلم جانباً، لقد حلت الصفحة البيضاء محل الصفحة الورقية. كيف لم أنتبه إلى ذلك؟ وبين التفكير في هذه وتلك، فقدت شهية كتابة القصة. لم العجلة؟ هناك زمن كاف لكتابة قصتي الخاصة. فلأنتظر إذاً.
7
فكرت ذات يوم أن تكون حياتي موضوع قصة. لا داعي للاسترسال فيها، خاصة اليوم. كلما كانت أقل وأكثر كثافة، ستكون أفضل، أكثر قابلية للقراءة. سأختاراً مشهداً من طفولتي. إنها أساسية . كثيراً ما تقرر طفولة كل منا نوعية الحياة التي سيعيشها. تُرى كيف سأتناول طفولتي؟ هل أستطيع أن أذكر مفارقاتها؟ هناك أشياء تتطلب جرأة، بعيداً عن الإملاءات؟ كان علي أن أفكر بخيار آخر، يخص مشاهد من حياة متقدمة، من فترة الصبا، أو الشباب، أو مشاهد من عمر متقدم، توجز العمر بكامله، وبشكل مدهش..لقد ورطتني مجدداً وأنا كم تتقاذفه الأمواج. فرصة الكتابة لم تحن بعد.
8
فكرت أن أوجز حياتي كاملة في قصة، يتوقف عندها ليس القراء العاديون بل النقاد الكبار. حينها ستكون الشهرة. إنما كيف أصوغها؟ بضمير المتكلم، أم الغائب، أم بالجمع بينهما، أم بماذا؟ سحقاً. جعلني كل ذلك متردداً، فارقتني الهمة والاستعداد للكتابة. وكان علي الانتظار من جديد.
9
فكرت بعد عمر طويل أن أكتب قصة تعنيني. قصة يمتزج فيها الخيال بالواقع. لدي خبرة. حيث قرأت مئات القصص من هذا النوع، أكسبتْني مهارة كتابة قصة لها ميزتها، أكون فيها العالَمَ، الحياة، الناس، الحياة والموت.. هكذا بعبارة تتسلسل كما هو النهر. ياه..كيف أكتبني وأنا أتخيلني؟ كيف أكون الكاتب والمكتوب؟ كيف أطلق العنان لنفسي، نفس كاتب لا نفس إنسان عاش طويلاً، وعليه أن يُختصر في بضع صفحات، أو أقل..الكم ليس شرطاً. علي أن أبحث عن النوعية..تأففت مجدداً..شردت بعيداً..لا بد من انتظار اللحظة السانحة، لحظة كتابة قصة تليق بي، بصورتي عن نفسي، ومتعة الشعور بكتابة قصة لها شهرتها. وباشرت الانتظار مرة أخرى وأخرى، وعلي حينها ألا أكتب بجوارها " قصة " فالقارىء هو من يقرر!
10
بالطريقة هذه كتبت قصة حياتي!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...