عبدالأمير المجر - الباحث عن بيت...

طغت دهشتي على سعادتي، وأنا أتأمل البيوت الكثيرة التي أصبحت جميعها ملكي.. بعضها واسع ببناء فخم وحدائق غنّاء، وبعضها الآخر أقل سعة ومبنيّة على الطريقة القديمة بشناشيل متقابلة، وأخرى صغيرة بهندسة جميلة تبدو كما لو أنها تحنو على ساكنيها وتضمهم بين جدرانها المطلية بألوان جذّابة.. كم تجولت بينها وأنا أحمل أمنيتي التي تخمّرت طويلاً في رأسي؛ متى يصبح لي بيت مثل واحد من هذه البيوت؟
النساء الكبيرات اللواتي رافقن رحلتي مع أمنيتي هذه، حين يرنّي في الطرقات والأماكن العامة، يقلن لي بشيء من الألم والحسرة؛ هل حصلت على بيت؟ .. أحني رأسي وأغادر المكان تطاردني عباراتهن المعزّية، وأواصل سيري حاملاً أمنيتي التي أكلت سني عمري .. أريد أن يكون لي بيت مثل بيوت أهل هذه المحلة التي اطمأنت بساكنيها بعيداً نسبياً عن مركز المدينة الكبيرة وصخبها الذي لا يكف طوال اليوم.
قبل أشهر قليلة، بدأت معي حكاية مختلفة، حين التقاني تاجر العطور الشهير في المحلة. امسكني من يدي وجذبني، قبل أن يقف عند ركن تظلله شجرة عالية تعرّت من أوراقها وتيبسّت أغصانها، وقال لي:
- بني، أعرف أن الأيام اتعبتك وأنت تتجول بينها منذ عقود طويلة تبحث عن بيت.. ثم مسح على رأسي بحنان وقال؛ اليوم أهبك بيتي الكبير، وأردف والدموع تنهمر من عينيه؛ تقبّله مني يابني!
شعرت بالدوار من شدّة الفرح قبل أن أهوي على قدميه وأقبّلها .. لم تمر سوى أيام قليلة حتى جاءني قصّاب المحلة وانفرد بي في المكان نفسه أيضاً ووهبني بيته، ثم جاء موظف البريد والبزاز والنجار وصاحب المحال التجارية والحلاق ، حتى صاحب آخر بيت في المحلة التي باتت كل بيوتها ملكاً لي.
الشيء الذي صار يتعبني هو كمية الأقفال والمفاتيح التي أصبحت بحوزتي، أحملها وأتجول بها بين البيوت التي غادرها أصحابها وتركوها لي، وحين يأتي الليل أغفو في واحد منها، وفي صمت الظلام العميق، يأتيني صاحب البيت، يحمل شمعة تبدو طافية فوق راحة يده، تضيء المكان فأراه كالطيف يبتسم لي ويقول، هل اسعدك المقام يا بني؟ أهفو نحوه لأقبله، لكنه يختفي وأصحو على صمت المكان وظلمة الليل الذي يتوحش أكثر.
توزعت لياليي بين البيوت كلها، وكل ليلة التقي صاحب أحدها، أستقبله وأفرح بمجيئه مبتسماً، إلّا أنه سرعان ما يبكي ويغادر المكان فأغادر أنا بعده ولن أعود إلى البيت مرة أخرى.
لا أعرف كم مضى من الزمن عليّ وأنا أدور بين وحشة نهاراتي في المحلة وصمت لياليها، لكني أيقنت من أن الأقفال والمفاتيح التي أحملها باتت صدئة، والبيوت غيّب أشكالها الغبار والصمت الذي يستقبلني كلّما حاولت أن أدخل أحدها.
لم يعد هناك أحد في المحلة التي خلت تماماً، ولم أعد اسمع كلمات العزاء التي تواسيني وأنا أبحث في أزقتها عن بيت يؤويني حين وجدت نفسي فيها غريباً منذ عقود كثيرة، لمّا دخلتها أول مرة وأنا لا أعرف أحداً من أهلها فصار اسمي بينهم.. الباحث عن بيت!
في إحدى الليالي وبعد تجوال طويل في العراء، تعبت، فرحت أبحث بين بيوتي عن باب أفتحه لأدخل، لكنها أصبحت كلها مختفية تحت ركام الأتربة، ثم وقفت مذهولاً وأنا أسمع أصحابها يستغيثون من داخلها بي، قبل أن تخفت أصواتهم وتتركني في حيرة.
عند غروب اليوم التالي وقفت عند أحد أطراف المحلة، نظرت يميناً ويساراً وإلى الأمام والخلف فلم أر شيئاً. وضعت كيس الأقفال والمفاتيح الكبير تحت قدمي ووقفت عليه فصرت أرى أشياء بعيدة لا أعرف ماهيتها، أشياء تشبه البيوت المتداعية تطفو على سطح الأرض، تدفعها ريح باتجاهات مختلفة، ووسط المشهد الغريب الذي جعلني أشبه بالشجرة المتيبسة في المكان، لمحت أصحاب البيوت التي أهدونيها، يسيرون بصمت متقاربين واحداً وراء الآخر، صرخت بأسمائهم لكن صوتي لم يصلهم، حاولت أن أتحرك فلم أقدر.. كانوا يواصلون سيرهم الصامت قبل أن أجد نفسي وراءهم تماماً، أسير حانياً رأسي ومن خلفي بدت المحلة التي باتت ملكي، محض أرض جرداء وفيها شواهد لأسماء كثيرة بينها اسمي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...