من تحت الركام

ألم يجتاح جسدي لا أستطيع تحديد موضعه، ظننته في يدي لكنني استطعت تحريكها تحت الركام ، الظلام يحيط بي وهناك أصوات بالأعلى لا أستطيع بيانها، همهمات غير مفهومة، تدور عيني في المكان محاولة الرؤية ... مؤكد أنني فقدت بصري.. قلت في نفسي.
سائل دافئ ينساب على جبيني، مددت يدي ومسحته ثم نظرت إليها لأتبينه فلم أر شيئا، ما زال الألم ينتشر في جسدي كانتشار النار في الهشيم، عندما حاولت تحريك رجلي اليمنى علمت أن نصفي العلوي محرر بينما السفلي حبيس في مكان لا أعرف ما هو ، كل ما أذكره انني كنت وابنتي في الباحة الأمامية من البيت عندما قصفتنا طائرات العدو، بينما الباقون كانوا معا في عمق الدار، زوجي قد عاد لتوه من العمل، بدّل ملابسه وتمدد على الأريكة ينتظر الغداء، و (يزيد).. ولدي الذي لم يبلغ الحلم، يجالسه كعادته، يسمع منه ويحكي له، وجدته تفترش مصلاها بالقرب منهما تدعو لهما بطول الأجل. صوت هائل دوى في السماء فجأة أعقبه انفجار لم تصمد أمامه الجدران العتيقة، انهار كل شيء في لحظات وابتلعنا الركام.
انتبهت على أصوات تكبير هنا وهناك، بدأت أستبين الكلمات، لقد اقتربوا إذا.
صوت يقو ل: شهيد
فيتعالى التكبير، لينادي آخر : هنا أحياء
أياد تمتد عبر الركام، تزيح الأحجار بحرص، أنّات مخنوقة يأتي صوتها من مكان قريب، قلت في نفسي إنها ابنتي .. ، يد محررة وأخرى يحبسها الألم، حاولت أن أحفر بالمحررة نفقا لعله يوصلني إليها، فوق الأحجار رمال اغرقتني بمجرد أن حركت إحداها، لا أملك إلا صوتا ضعيفا، ناديت
_ ديمة !
اجابني الأنين ليؤكد لي انها تصارع الألم، قلت
_ تماسكي حبيبتي، هناك من يبحث عنا
تحول الأنين إلى آهة انخلع لها قلبي، قلت بتوسل
_ تماسكي
استجمعت قوتي وصرخت
_نحن هنا !
سكتُ لأسمع ردا لكن ما من مجيب، صرخت من جديد
_نحن أحياء، أخرجونا!

_لا أمل لنا في الخروج
قالت ديمة بيأس، قلت
_مدي يدك إن استطعت لأتبين مكانك
_لا أستطيع، ألم شديد
قالت بوهن،
_لا عليك، لا تحركي شيئا ولكن كلميني بين الحين والآخر لأطمئن عليكِ
زامت بوهن تعلن موافقتها
يمر الوقت كسلحفاة تحمل فوق ظهرها جبلا، الحفر مستمر والتكبير يعلو ويخفت، أنادي بين الحين والآخر
_ديمة
يجيبني الأنين فأطمئن أنها ما زالت على قيد الحياة، سائل مر يملأ فمي، لم أستطع بلعه ولا بثقه، فتحت فمي وتركته يسيل وسالت معه عزيمتي
_صوت قادم من هنا
صرخ أحدهم مستحثا الباقين على البحث، أصوات حفر وتنقيب، أعقبه بقعة للضوء نفذت إلي رأوا من خلالها يدي الحرة تتحرك، تعالى الصياح
_الله اكبر، هنا أحياء
قلت بأمل وقد بدأ يتجدد بداخلي من جديد
_الحمد لله، لقد وجدونا... ديمة ... ديمة .. سنخرج يا حبيبتي
لم تجب، فكررت ندائي بتوتر، أتاني انينها واهنا، قلت
_ تماسكي، هناك أمل!
اتسعت بقعة الضوء فازداد الأمل في قلبي، صوت انهيار ساد بعده الظلام وابتعد الصوت،صرخت والبكاء يخنق صوتي.. لا تتركونا!
قلت بلهفة وارتعاشة صوتي تشي بفقدان الأمل
_ديمة .. تماسكي .. سيعودون .. لابد ان يعودوا.. إنهم رأونا.
لم يأتني جوابها، فكررت بانفعال " ديمة " اتاني الأنين فهدأت.
قلت: تماسكي.
الدقائق تمر كأنها ساعات، والتنقيب يقترب ثم يبتعد، الهواء يتقلص في رئتي، أنادي يا الله فيشتد عزمي، عادت بقعة الضوء من جديد، اتسعت شيئا فشيئا، تلاحقت أنفاسي لتدافع الهواء، ناديت بفرح
_ ديمة .. ديمة .. لقد عادوا
لم تجب، امتدت يد تحاول تحريري، ازعج الضوء عيني فأغلقتهما، حملوني على المحفة، ما زال الألم يجتاح جسدي، تحسست بيدي مواضع الألم فلم اتبينه، التكبير يعلو وصوت من الخلف يقول، طفلة شهيدة وامرأة بغير ساق.
#أمل

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...