عدنان طرايشه - تبديلُ الأسمال- هوامشُ على طريقِ الخُضيرة...

(مُهداة لروح المناضل الأسير وليدُ دقّة)



في الطريقِ إلى الخُضيرة
كان يخلعُ اسمَهُ
كما تُخلَعُ الحطّاتُ عن رؤوسِ الرّجال

كان يسمعُ في الصمتِ وصيّةً خفيّة:
اخفوا اللغةَ…
فاللغةُ هنا تُفتَّشُ عند الحواجز
والرجالُ…
يُبدّلون العقالَ بقبّعةٍ غريبة،
ويستعيرون وجوهًا
تُشبهُ الدجّال

وكان يُراقبُ أمَّهُ، بثوبِها المطرّز،
تمشي كقريةٍ كاملة،
لا تعرفُ كيف تُخفي نفسها… محال

قال لها:
يا أمّي… لماذا لا ترتدين "برنيطة"؟
لماذا لا تصيرينَ كالخيال؟
أليست نجاتُنا بتبديلِ الأسمال؟

لم تُجِبْ.
ظلّت تمشي في أرضٍ
تعرفُ أقمشتَها المطرّزة
منذ أجيال

في عيادةِ الطبيب
نظروا إليهِ وإليها
كما لو كانا مرضًا
يحتاجُ إلى اعتزال

رأى طفلًا يمشي نحوهُ
بخطوتِه الأولى،
فانتزعته أمّه
كأنّهُ على حافّةِ هاوية،
فخاف… ومال

ومنذ ذلك اليوم
صار يبتعدُ عن أمّه
قليلًا… قليلًا…

يؤخّر خطوَهُ،
يراقبُ واجهاتِ المدينة،
يُسرعُ حينًا،
ويتركها خلفَهُ
تنوءُ بأحزانها كالجِمال

في القريةِ
كانتْ أمُّه،
وفي المدينةِ
كان هو ظلَّها،

أو
كانتْ ظلَّهُ الذي يخشاهُ
كالزّيتونِ
والْبُرتُقال

أيُّ اغترابٍ هذا
الذي يجعلُ الطفلَ
يختبئُ من أمٍّ
في وجهِها إرثٌ بهذا الجمال؟

وأيُّ مدينةٍ هذه
التي تُعلّمه
أن يخلعَ وجهَهُ
كي ينجو
من موروثِ الحطّةِ والعقال؟

(الصّورة محاكاة لصورة المرحوم)
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...