فوز حمزة - خالتي نرجس...

كانت الشمس على وشك المغيب، حينما ترجلنا من الباص في زيارة لمدينة كلار حيث تقطن خالتي نرجس. إنها زيارتي الثانية، المرة الأولى كانت برفقة أمي عندما كنت في العاشرة من عمري، على الرغم من مرور سبع سنوات على زيارتي الأولى، إلّا أني لم ألحظ أي تغيير يُذكر، فالمدينةُ تبدو كامرأة مسنة ما عاد للأيام من تأثير عليها.
الشيء الوحيد الذي لفت انتباهي هو باب البيت الذي أصبح رماديًا بعد أن كان بنيًا.
الخالة نرجس، امرأة لم تعرف في حياتها سوى بيتها، نذرتْ عمرها لأولادها الستة، لم تنجب فتاةً، لهذا أحاطتني بالحب والحنان وقد بادلتها بالمقابل الحنان والحب.
في صباح اليوم التالي، دخلتُ المطبخ أساعد خالتي في إعداد وجبة الفطور والتي كانت أشبه بوليمة عرس.
تفاجأتُ بدموع غزيرة كانت تذرفها وهي تعد الأطباق، ثم بعد ذلك، وهي تودع أولادها وكأنهم ذاهبون في سفر بعيد أو إلى حرب قد لا يعودون منها.
بصمتٍ جلسنا أنا وأمي والخالة نرجس لتناول ما تبقى من فطور الرجال، لكن من دون أن تذرف دمعة واحدة ودون أي شيء يدل على أنها كانت حزينة.
الجميع بمن فيهم خالتي يتلقى الأوامر من آزاد، الابن البكر الذي تولى المسؤولية بعد وفاة والده، بالمقابل كان آزاد يحيطهم بالرعاية، ويلبي لهم كل احتياجاتهم.
في تلك الليلة، بتُ محتارة من أمري بعد أن رأيت كيف استقبلت خالتي أولادها، احتضنت كل واحد منهم كأنها لم تره منذ زمن، لكن هذه المرة بفرح وابتسامة أم حنون.
ونحن نتناول العشاء، دارتْ أحاديث كثيرة بينهم، لمْ أفقه كلمة واحدة منها لأن زواج أمي الكردية من أبي العربي وانتقالها للعيش في بغداد لم يتح الفرصة لي لتعلم لغتها ولغة أهلها. نمتُ تلك الليلة وتساؤلات لم ترد عليها أحلامي الغرة حتى تكرر مشهد الفطور في الصباح التالي، وتكررت معه جميع الأحداث حتى ظننت أني أشاهد مسلسلًا قد سبق لي رؤيته. الأطباق الفارغة هي الدليل الوحيد على أنهم كانوا هنا.
أمي حسمتْ كل شيء، ووضعتْ حدًا للذهول الذي اجتاحني حينما أخبرتني، أن أبناء الخالة نرجس الستة منقسمون على أنفسهم: ثلاثة ينتمون إلى حزب يكيتي، والثلاثة الآخرون إلى حزب بارتي، الأخوة يتقاتلون فيما بينهم خلال النهار، كل جماعة تنتشر على جبل تقاتل من على سفحه الجماعة المعادية، وعند الليل لايجدون أفضل من حضن خالتي ملاذًا أمنًا.
بعد وفاة أمي، لم أعرف ما حل بالخالة وأبنائها، لكني ما زلت أسمع أخبار الحزبين المتقاتلين.
..........
نُشِرَ النص في مجلة شقائق النعمان العدد الرابع 2026
تحياتي للصديقة Nissan Salim Raaft نائب رئيس التحرير..
والأستاذ علاء الأديبرئيس تحرير المجلة..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...