سمير لوبه - الحكاية كما روتها الست أم أحمد...

يتهادى الصباح والشمس تقبل جبين البحر فيرتد الموج طفلًا شقيًا من شدة الدغدغة، تعبق الهواء رائحة البحر ممزوجة برائحة الخبز البلدي الخارج لتوه من الفرن .
في الحارة تتداخل رائحة الشاي بالنعناع مع رائحة صواني السردين التي تعدها الأمهات بشغف فنانات، النوافذ مفتوحة على اتساع الود والشرفات معلقة فوق البيوت تحتضن نسيم البحر .
حي السيالة مسرح شعبي للبهجة اليومية، جدران البيوت تحتفظ بالبساطة والأبواب الخشبية تحرس الأسرار والبحر يلوح من بعيد تنعكس زرقته على نوافذ البيوت وفي الأصداف التي تزين الطاولات وصيحات النوارس التي تأتي مع كل نسمة بحرية.
نساء بحري آياتٌ من الجمال الشعبي؛ وجوه مشرقة وعيون تلمع بدهاء البحر، وضفائر سوداء يعطرها زيت جوز الهند، يسكن الغناء خطواتهن، وبعضهن أكثر فتنة من نجمات السينما اللاتي يصورن الفيلم الجديد "رصيف نمرة خمسة" يقف فريد شوقي بطوله المهيب وزكي رستم وهدى سلطان تشدو بصوتها الندي ، والمليجي يجلس على أول الحارة ينتظر دوره مع فريد شوقي.
في الحارة شابٌ في الثامنة عشرة وجهه يحمل وسامة شعبية مشوبة بالخجل، امتهن حودة الصيد، ثم عمل نجارا في ورش تصنيع المراكب، تتبع نظراته فتاةً تسكن الحارة اسمها بدارة، تكبرها الأحلام بسنة أو سنتين، بدارة بجسدها الملفوف وضفيرتيها الطويلتين حتى خصرها تنزل كل صباح لشراء الخبز فتمر من أمام بيت حودة تخفي ابتسامةً بين غمازتيها حتى تبتعد خطواتها، كان بينهما حوار من نوع آخر فطرفة العين تقول الكثير، نبت حبهما في الحارة كما ينبت الفل على شرفات الأسطح لا يحتاج ماءً كثيرًا فقط الشمس والانتظار. تعلق بها كما يتعلق الموج بالبحر مهما بلغ الشط يعود لحضن البحر، ومضت السنوات وهو يعمل في ورشة النجارة ولما تجاوز العشرين استطاع أن يطلب يدها ويبني لهما بيتًا صغيرًا فوق سطح بيت العائلة له باب أزرق ونباتات في أصصٍ فخارية.
الاثنان أنجبا أطفالًا أصغرهم تشبه أمها بدارة كثيرًا وصارت تُعرَف فيما بعد باسم "الست أم أحمد"، تلك التي تجلس الآن بثوبها الأسود على الكرسي القديم أمام دكان زوجها عم سعد العطار وتحكي الحكاية لنا وتقول:
- أنا آخر زهرة في حديقة حب حودة وبدارة، آخر سطر في رواية سيحكيها من بعدي البحر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...