فوز حمزة - هي... وذلك الفستان - قصة قصيرة -

قال البائع، وفي نبرةِ صوته شيءُ من أسفِ:
- اللون الذي طلبته قد نفد سيدي... ما رأيك بالرمادي؟
لم يسمع ما قاله البائع، إذ كان يحدّق صوب فتاة تحاول عبور الشارع، ترتدي فستانًا أرجوانيّ اللون، وعلى خصرها حزامٌ أسودٌ رفيعٌ. قال بذهول محدتًا نفسه:
إنها هي... هي!
أسرعَ بالخروج من المتجر سائرًا في الاتجاه الذي سارتْ فيه.
وقفَ عند الإشارة يتلفتُ يمينًا وشِمالًا، وعلامات جزع شديد بانتْ على ملامح وجهه.
أسندَ ظهره إلى أحد الأعمدة الشّاخصة، محاولًا التأكيد لنفسه أن ما رآه حقيقة وليس محض خيال.
قال لنفسه: إنها إيمان، بشعرها الكستنائي، وعينيها الدافئتين، كنت سأصدق تلك الفتاة شبيهتها لولا الفستان الأرجواني، هديتي لها بذكرى مولدها العشرين، كلماتها ما يزال صداها يرن في أذنيّ منذ ذلك المساء : إنه أغلى هدية على قلبي يا وليد!
بعد مضي ساعاتٍ من البحث، دخل مقهىً ليلقي بأعوامه السّبعين فوق أحد الكراسي مردَدّا مع نفسه:
"وعدتني بارتدائهِ في ذكرى مولدها كل عام... كأنَّ الزّمن لم يجرؤ على النّيل منها كما فعل معي! كيف ذلك؟
سأله نادل المقهى، ماذا يريد أن يشرب؟
طلب فنجانًا كبيرًا من القهوة، ثم نظر إلى الشارع عبر زجاج النافذة، الذي أخذ - بفعل الشمس -يعكس ألوانًا لا يعرف لها اسمًا محددًا، كما هو اسم اليوم الذي رحلتْ فيه إيمان.
غيابها ترك له وجعًا في القلب، وحياة يواجه غطرستها وحيدًا.
لماذا هجرتني؟
برودة سؤاله لسعتْ مشاعره، اجتاحته رغبة عارمة في البكاء، لكنّه لم يفعل، لأن شعورًا بالخوف تمكّن منه جراء موسيقا غريبة يسمعها.
طافتْ على ذهنه صور كثيرة، تركتْ في قلبه حزنًا ثقيلًا سحبه نحو الداخل.
فكر في الخروج من المقهى، لكن إلى أين؟
يدٌ دافئةٌ تحسستْ كتفه من الوراء. ردَّد قبل أن يلتفت: "إيمان!"
ضمتهُ بقوةٍ حتى بللتْ دموعها قميصه.
العاصفة التي كان في وسطها هدأتْ، وأصبحتْ الرّؤية أكثر وضوحًا.
قال بعد أن جلسا وأيديهما متشابكة وسط الطّاولة:
- "لِمَ غبتِ كل هذه السنين؟"
نظرتْ إليه بعينين متعبتين ملأهما الذعر، حاولتْ التحلي بالهدوء وهي تقول:
لم أغبْ، كنتُ في قلبك، ما ان تذكرتني حتى حضرتُ إليكَ.
قال وهو يشد على يديها:
ظنّ الجميع أنني نسيتك، لكني لم أفعل ولو للحظة.
ضوء النّهار الذي بدأ ينسحب شيئًا فشيئًا، خلّف ظلالًا ثقيلة أحاطت بقلبها.
تنهدتْ، بينما دمعتان انسابتا على وجنتيها لتيقنها أن علاقته مع الزّمن قد توقفتْ منذ موت والدتها، لكنه لا يعرف معنى الموت منذ اصابته بمرض لعين قطع الجسور بينه وبين الذاكرة، وما الحياة إلًا ذاكرة وإن كانت تحمل في ثناياها الألم.
قالت له:
- عندما تشتاق لرؤيتي، فكر بي وستجدني أمامك، ما في قلبكَ سيصل قلبي.
ما زلتِ جميلة، وصغيرة حبيبتي.
وهي تمسد العروق الزرقاء في يده، قالت:
- نعم يا أبي، أشبه أمي التي أحبتك أكثر من هذا العالم، أما غيابها فقد أشعل النّار في زمنك المتبقي.
بدأتْ العتمة تنتشرُ، عندما قادتهُ كما تقود الأم طفلها ليغيبا وسط شلالات ضباب كثيف، زاد من شدة ظّلام المدينة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...