إبراهيم محمود - نبكي لأن علينا أن نبكي-نص...



نبكي..
لأن علينا أن نبكي
ولأن علينا أن نبكي
فعلينا أن نستمر في البكاء
أن تكون دموعنا كلماتنا التي تُرى
دم القلب الزلال هنا عبْر عيوننا
أشجارنا التي تندبنا واقفة
جبالنا التي ترثي قاماتنا المنكسرة
دروبنا التي تردد خطانا
بحارنا ملّحتها أحلامنا المجهضة كثيراً
صباحاتنا الخاوية على عروشها
لمؤق عيوننا الشهادة القاطعة
لأن مسلوبو الحق في الضحك

نبكي لأن أسماءنا التي نُعرَف بها
لأن الطرق، الدروب التي نسلكها
لأن الشوارع التي نقطعها
الحدائق التي نتزه فيها أحياناً أحياناً
لأن عناويننا التي تقود إلينا أنّى كنا
لأن بيوتنا المزعومة التي تضمنا إليها
بطعامنا الذي نتناوله فيها
بنومنا وصحونا فيها
بأحلامنا تحت سقفها
ليست لنا
ولم تكن لنا
ولم تكن يوماً تتكلم بلون خطانا المرجوة
أو تلوّح بيقين حسرتنا المشجرة في أنسجتنا
أو تردد صدى أوجاعنا التي ألفتنا
أو تمنحنا ألقاباً تبقينا أسرى وجود ليس لنا
لأن أمكنتنا لا آذان لها
لأن أزمتنا لا أحداق لها
لأن غدنا المتردد أبكم
لأن لغتنا لا تعنى بنا
لأن أفواهنا ضابطة ألسنتنا
لأن ألبستنا تتعقبنا
و..لأننا لسنا لنا

نبكي
لأن سماء رُسِمت لنا منزوعة النجوم
فكيف بالمصالحة مع الليل
لأن شمساً تسمّينا منهوبة الحرارة
فكيف يتعرف علينا الصباح
لأن وروداً زرعتْ لمؤانستنا
لم تقابلنا لحظة بنفحة عبق
فكيف بالقلب أن يؤم جسدَه

نبكي ينابيع تنادينا فلا نبلغها
وديانا تسمّ خطانا ولا نراها
جبالاً مسجّلة بأسمائنا فنقصى عنها
دروباً تنشدنا ولا نتعرف عليها
أغانيَ تحلّق بنا في صحراء شامتة
فراشات الضوء في الزمن السديم
غابات تثقلها الرطوبة تستهدف شرفاتنا المتبقية


نبكي
نبكي الإنسان الذي ننسب إليه
فنفجع باسمه
نبكي الإنسان الذي يشدنا إليه
لنكون في الهاوية
نبكي نساء لنا ولسن لنا
نبكي رجالاً لنا لا نراهم إلا في الملمات
نبكي من نكون وينتحر السؤال
نبكي أمهاتنا اللواتي يتنكرن لنا
نبكي آباءنا الذين ينتهكون البنوة فينا
نبكي أولادنا الذين يدقّون الإسفين فيما بيننا

نبكي وطناً صوّتنا له فكأفأنا بالسوط
وطناً وعدنا به فسربلنا الليل على مدار زمنه الرطب
وطناً نتعقبه وداً فينفجر بنا صداً
وطناً أتعبنا تعبُه
وطناً غبار الطلع العالق في الفراغ
الساعة التي تهالك ميناؤها
بوابة الآتي التي أحكم الزمن إغلاقها
الوطن الوعد العجينة التي أنهكتها خميرة الانتظار
الوطن الذي يستغرب كلَّ ما فيه
ولا يزال في " سين التسويف "

نبكي
بهذا ستأتي لحظة
سيفارقنا البكاء
سيكف الدمع عن الكفكفة
ونستحيل أطلالاً ذاهلة
تعافها البومة نفسها
ولن يتردد صوت من نوع:
قف نبك من " ذكرى وطن ومسكن "

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...