ليال الحربي - قرص الهوية...

قرصُ هوية معدني، بيضاوي بحواف ملساء سميكة وعلى جهته اليسرى أثرُ احتراق كأن النار مسته ومضت. منقوش عليه "ن ع ماجد كاظم حسين مسلم A+". وفي طرفه الأيمن ثقب صغير يمر منه خيط رفيع.

عثر عليه الجنود قرب صهريج وقود محترق في أرض مهران، لم يبقَ في الأرض سوى هياكل متفحمة وهياكل دبابات سوداء وذلك القرص. التقطه جندي وانتقل من يده إلى يد الآمر ومن الوحدة إلى المقر، ومن المقر إلى شعبة الحزب حتى وصل أخيرا إلى منزل يقع عند طرف المدينة.

في تموز 1986، عاد نائب العريف ماجد كاظم حسين مسلم من مهران. لم يعد بنفسه، عاد قرص هويته.

تركوا للأبوين صندوقا خشبيا مغلقا، وداخله جثة ملفوفة بكيس نايلون سميك، بلا ملامح ولا علامة، لم يعد هناك ما يدل عليه سوى ذلك القرص المعدني الذي نجا من النار وبقي شاهدا وحيدا على رجل ترك خلفه زوجة وولدين.

استمر مجلس العزاء سبعة أيام. وما إن انقضى حتى اجتمع الأبوان وأغلقا باب الغرفة عليهما. كانت الأم تراقب زوجة ابنها منذ انتهاء الدفن. تراقب متى تدخل الغرفة ومتى تخرج منها، ومتى تجلس مع أهلها. لم تسأل عنها مرة واحدة. كانت تراقبها فقط.

قالت لزوجها: هذه الحقوق لا تُترك.

الأب أومأ من غير أن يرفع عينيه

في اليوم الثامن، جاء أهل الزوجة ليأخذوا ابنتهم معهم؛ فالعزاء انتهى ولم يعد هناك ما يربطها بهم. وما إن جلسوا
على الأرض حتى وقفت الأم أمامهم وفتحت كلتا ذراعيها وانتفضت بصدرها: هذا منزلها وأولادها أولادنا

ثم نظرت إلى أرملة ابنها وثبّتت نظرها فيها: نحن أولى بها. لقد صارت ابنتنا. لن نسلمها، كلما نظرنا إليها رأينا ابننا… رائحتها رائحته وهي آخر ما تبقى منه

تبادل الحاضرون النظرات، في صوتها حنان يكفي لإقناعهم وشيء آخر يكفي لإسكاتهم. حين خفت الخطوات في الخارج عادت إلى الداخل. أُغلق الباب دون صوت.

بعد أربعين يوما، أرسلت وحدته العسكرية مستحقاته، راتب ستة أشهر واحد وعشرون دينارا لكل شهر وأضاف الحزب الحاكم تعزية كرم رسمية، ألف وخمسمائة دينار. وفتحت معاملة لاستقدام سيارة Toyota Crown باسم الشهيد.

في حوش المنزل، الأيدي تعمل كما تعمل غسالة الثياب تدور وتعصر وتعيد غسل الثياب بماء نظيف ورشها نحو الشمس. رفعت إحداهن ثوبا نسائيا، قرّبته من أنفها، ابتسمت ثم ناولته للأخرى فعلت الثانية الشيء نفسه ثم الثالثة وقالت إحداهن بينما كان أنفها يخترق القماش وصوت الشم يسبق صوتها: منها تفوح رائحة أخينا.


وصلت من الخارج أصواتُ مزامير سيارة، حادة وملحة فاندفع الإخوة نحو الباب. لحظة والكراون قد ظهرت، تزحف ببطء في ظهيرة يوم قائظ. الزجاج مرفوع والمكيّف يعمل والهواء في داخلها بارد. تجمهروا حولها، اتسعت العيون وأصوات تنفلت همسا ثم تنقلب دهشة صريحة: اعععععع… بويا بيها تبريد… بوياااا!

الكراون واقفة عند باب المنزل بعد أن كان أقصى ما يحلم به الأبوان حتى وقت قريب، أن يقف عند الباب كلب أو جروٌ صغير. تبادل الأبوان نظرة قصيرة، ثم قال الأب للأم: والآن، ماذا سيحصل؟

مثل كتيبة استطلاع تخرج ليلا قبل المعركة غار الأب والأم نحو غرفة الأخ الصغير. لم يكن في البيت صوت سوى حفيف أوراق السدر تلك التي تتوسط الدار.

كان أمجد، أصغر إخوة ماجد والوحيد غير المتزوج، جالسا إلى دفتر مدرسي. رفع رأسه حين دخلا ولم يقولا شيئا في البداية. فقط جلس الأب قبالته بينما وقفت الأم عند الباب. قال الأب أخيرا، بصوت منخفض قاطع كالأمر العسكري:

ـ تزوجها

حدق فيه أمجد:

ـ من؟

الأم:

ـ تعرف من نقصد، زوجة أخيك، أخوك استشهد... هي بحاجة إلى زوج في يوم ما ليس ببعيد

ـ ولكن…

قاطعته الأم، وقد انتفض صدرها مجددا:

ـ أترضى أن تذهب زوجة أخيك، ومعها أولاده إلى رجل غريب؟

صمت.. استطردت:
ـ أترضى أن يذهب راتبه الشهري ومنزله وسيارته إلى مصري!

صمت.. وتنهدت:
ـ في النهاية، المرأة تريد رجلا وأنت رجل وتحتاج امرأة

قال:

- لا أستطيع أن أتخيلها زوجة لي.

ـ لديها بيت وراتب وسيارة بها تبريد وأنت عاطل عن العمل، تتحسر وتبكي على علب السجائر، بحق الخالق ماذا تريد أكثر؟

نطق الأب:

ـ تؤجرون المنزل وتسكنون معنا. السيارة تصبح بيدك وتعمل سائقا فيها أو إن شئت تجعل لها سائقا يعمل لديك فيكون لك دخل من إيجار المنزل والسيارة معا، فما قلت؟

صمتَ والصمتُ علامة رضا فبقيت أرملة الشهيد كيف سيقنعوها.

لحظة خروجهما من غرفة أمجد، شد الأب على يد الأم وهمس:

ـ بشويش... بالحنان.

كانت زوجة الشهيد صفةً تسبق صاحبَتها أينما ذهبت. يكفي أن تشتكي حتى تتحول الشكوى إلى معاملة رسمية. وكان الأبوان يعرفان أن كلمة واحدة منها قادرة على إفساد كل ما خططا له.

جلس الأب قبالتها.

قال:

ـ أنتِ ابنتنا. وأولادكِ أولادنا. لا نريد غريبًا يربيهم.

خفضت عينيها.

ـ لكنه كأخي.

ساد الصمت.

مالت الأم نحوها.

ـ والأولاد؟

لم تجب.

ـ إن تزوجتِ رجلاً آخر فسيأخذكِ معهم.

بقيت تنظر إلى الأرض.

قالت الأم:

ـ نحن لا نريد أن نخسرك.

بعد أسابيع تم الزواج.

سُجل المنزل باسمها وباسم طفليها. أُجّر المنزل وانتقل العروسان إلى بيت الأهل كما كان مخططا. مرّت السنوات. أنجبا طفلا ثم آخر وصار الأطفال ينادونه"أبي". وفي المرات الأولى كان يلتفت خلفه كلما سمع الكلمة.


وفي ليل شتوي أليل، أشار رجل إلى سيارة إجرة. توقف السائق وأنزل الزجاج قليلا.

رأى رجلا هزيلا بلحية طويلة خالطها الشيب وثياب توحي بأنه قضى وقتا طويلا بعيدا عن البيوت.
قال الرجل:
ـ أتُوصلني إلى أهلي؟
رفع السائق حاجبيه:
ـ أين يسكنون؟
ـ خارج بغداد، في الحسينية.
ساد صمت قصير. الحسينية الآن غير ما كانت عليه طرق معتمة ومناطق يكثر فيها السلب بسبب الحصار وعصابات صغيرة تكونت من أفراد جمعتهم الحاجة. شد السائق على المقود ونظر إليه بحزم وقال بصوت حازم:

ـ لا أستطيع. لا أذهب إلى هناك ليلا. اعذرني
قال الرجل:
ـ أرجوك. منذ ساعات وأنا أقف في الشارع.. كنتُ أسيرا واليوم عدتُ

تردد السائق. نظر إلى الرجل مرة أخرى. ثم زفر ببطء وقال: حسنا، سأوصلك.

انطلقت السيارة تشق العتمة على مهل وعند مدخل المدينة، لمح السائق دكانا صغيرا ما يزال مفتوحا، ضوءه الشاحب يقاوم النعاس. أوقف السيارة، نزل، ناول صاحبه ورقة كُتب عليها اسم صاحب المنزل وعنوانه. قرأ صاحب الدكان الورقة ونظر إليه ثم أشار بإصبعه إلى بيت يتوسط المنازل على استحياء.

ـ ذاك هو

ترجل من السيارة مترنح الخطى، الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل. طرق الباب مرة ثم ثانية، خرج له وجه لا يعرفه قال له متحيرا:
ـ هذا منزلي
أجابه الرجل الناعس:
ـ لا يا رجل، هذا بيتُنا
ـ لكنه منزل أبا ماجد وأنا ماجد، كنتُ أسيرا وعدتُ الآن
ـ أبواه ماجد.
اتسعت عيناه. فتح فمه قليلا كأنه يحاول تذكر اسم سمعه قبل سنوات ثم قال:
ـ نعم... اشتريناه نعم لقد اشتريناه منهم
ـ تعرف مسكنهم الآن؟

دله على منزل يلوذ بأطراف الحي، مضى إليه ووقف أمام بابه طويلا قبل أن يطرقه. طرق الباب مرة ثم ثانية وعند الثالثة فُتح الباب.خرج رجل ذو شارب ولحية كثيفين، نظر إليه ببرود وقال:
ـ تفضل
حدق ماجد في وجهه:
ـ أيُّ تفضل؟ أنا أخوك. ماجد

تجمد الرجل في مكانه، لم يعرف وجه أخيه لكنه يعرف أن أخاه مات منذ عشر سنوات. بقيت الكلمة معلقة بينهما وفي تلك اللحظة خرجت امرأة من داخل الدار ما إن وقعت عيناها على وجهه حتى تجمدت كأنها تتحقق من شبح عاد من غياب. عرفته وعرفها. رفعت يديها إلى وجهها ولطمته: ماذا فعلتُ بنفسي، ماذا فعلتُ

قال:

ـ ما حدث لم يكن كما ظننتم وضعتُ قرص هويتي على جثة مشوهة ثم أُخذتُ أسيرا.

قال أمجد بصوت خافت:

ـ ظنناك متّ.

تجمد إدراكهم، ولم يجرؤ أحد على النظر في عيني الآخر. في داخله تمنى أمجد سرا لو أن والديه ما زالا هنا الآن؛ لربما قالا له ببساطة ماذا يفعل.

كسر الصمت وقال: لننم الآن ونتحدث في الموضوع صباحا.

دخل ماجد ثم سأل فورا:
ـ أين الأولاد؟
ـ نائمون

في تلك الليلة سألتْ أمجد عن الدين.

قال إن عليها أن تعود إلى زوجها. لم يكن الأمر يحتاج إلى عقد جديد. ما إن ظهر حيا حتى عاد الزواج الأول قائما وسقط الثاني. وقال أيضا إن الأسرى يعودون أحيانا بغير ما ذهبوا به. بعضهم يتكلم كثيرا وبعضهم يشتم القائد. وهذا وحده يكفي ليُعدم الرجل.

سألته:

ـ ما الحل؟

قال:

ـ تعودين إليه. أنتِ زوجته.

ثم سكت.

ـ وأنت؟

كانت الغرفة مظلمة إلا من ضوء الشارع المتسرّب عبر النافذة. الأطفال نائمون على فرشهم. أكبرهم وضع ذراعه فوق وجهه. الأصغر كان يتنفس بصوت مسموع.

قالت بعد وقت: لم أكن أريد الزواج منك. أبواك هما من أرادا ذلك. كانا يقولان إن الأولاد يحتاجون رجلا في البيت.

بقي صامتا، جلس ينظر إلى الأطفال. الطفلان اللذان ربّاهما عشر سنوات والطفلان اللذان وُلدا بعد ذلك. في الغرفة المجاورة كان أخوه نائما. للمرة الأولى منذ عشر سنوات لم يكن يعرف من منهما الميت ومن منهما الحي.

وفي الفجر فتح أمجد صندوق الكراون. سحب الكيس إلى الخارج وأغلق الصندوق. بعد أيام قليلة وصل إلى الدائرة المختصة بلاغ جديد: عُثر قرب الطريق على جثة مجهولة الهوية بلا أوراق. بلا علامة فارقة وبلا قرص هوية

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...