عبدالأمير المجر - الضحكة الأخيرة...

صديقي قاص محترف، أو هكذا أصبح منذ سنين. كثيرًا ما أذهب إليه، أجلس وسط صومعته، أقلّب بعض الكتب، لأتركه منهمكًا بالكتابة. لم أعرف الكثير عمّا يفعله، ولم أكلّف نفسي عناء سؤاله والدخول في غابة خيالاته الشائكة، وهو لم يحرجني بطلب قراءة قصصه.
ذات يوم، وبعد أن رشفنا استكانَي الشاي قبل أن يبدأ بالكتابة، قال لي: لنتحدث عن أيامنا الماضية، لنتذكر (قاسم وكريم وعباس)، أصدقاءنا الذين جمعتنا بهم أيام الحرب. فتذكرت بعض أحاديثنا وطرائفنا، وأشياء أخرى لا نحب ذكرها، لكننا استحضرناها، فأحاطتنا السواتر الترابية، واقتحم هدوء جلستنا صدى دوي الانفجارات. حينها قال لي فجأة: أريد أن أكتب قصة قصيرة عن تلك الأيام. وراح يكتب ويكتب، وأنا أتأمله صامتًا قربه، أنتظر نهاية القصة التي قال لي إنه سيكملها بعد قليل.
بعد أن فرغ من كتابة القصة التي ناولني إياها، راح يبكي بحرقة، وعبثًا حاولت إيقافه. لقد كانت قصة مثيرة استحضر فيها لحظات جميلة كنا نسرقها من وقتنا الثقيل بين الملاجئ الصغيرة المتقاربة. كان يتبادل الطرائف مع قاسم وكريم وحسون قبيل الغداء. حسون، الجندي القروي الذي التحق بوحدتنا قبل نحو شهرين، كان يضحك كثيرًا وبقوة، ويشيع أجواء من البهجة بيننا.
حسون، الذي ذهب أثناء جولة الطرائف لجلب (قصعة الغداء)، عاد مسرعًا وهو تحت تأثير آخر طرفة ذكرناها. أقبل علينا يضحك بقوة كعادته حتى كادت القصعة تسقط من يديه، لكن دوي انفجار قريب جعلنا لا نرى بعضنا بعضا لثوانٍ، قبل أن يرى صديقي رأس حسون، الذي كان يضحك بقوة... في حجره!

الصورة : اليوم في اتحاد الادباء وليس قبل عشرين سنة .. !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...