وقف الرجل وحيدا أمام واجهة زجاجية متشققة نجت بأعجوبة من الحرب، يتأمل انعكاس صورته فيها أكثر مما يتأمل ما خلفها. كانت عيناه تحملان شيئاً أثقل من العمر؛ سنوات طويلة من الخوف والفقد والانتظار، سنوات حفرت أخاديدها في وجهه كما حفرت القذائف ندوبها في جدران المدينة.
أمام ناظريه امتدت أطلال الحي الذي كان يوماً يعج بالحياة. لم يبقَ من البيوت سوى جدران مائلة تتكئ على بعضها كعجائز أنهكهن التعب، ولا من الشوارع سوى طرقات يغطيها الغبار والرماد. كانت رائحة الدخان العالقة في المكان تروي حكاية حرائق انطفأت منذ زمن، لكنها ما زالت مشتعلة في ذاكرة الناجين.
تقدم خطوة بطيئة، ثم أخرى. كان يعرف هذا الحي حجراً حجراً. هنا كان منزله، وهناك دكان صديقه الذي اعتاد أن يمازحه كل صباح. وفي الزاوية المقابلة كانت شجرة السدر التي كان الأطفال يتسابقون إلى ظلها في أيام الصيف الحارة.
أغمض عينيه للحظة، فعادت الأصوات التي غابت. ضحكات الأطفال، نداءات الأمهات، أحاديث الجيران عند المغيب. لكنه حين فتح عينيه لم يجد سوى الصمت. صمت ثقيل كأنه آخر ما خلفته الحرب وراءها.
لم يكن يبكي. فقد تجاوز البكاء منذ سنوات. بعض الأحزان تكبر حتى تصبح أكبر من الدموع نفسها. كان يحمل في قلبه أسماء كثيرة رحلت دون وداع، ووجوهاً غابت تحت الركام، وأحلاماً دفنتها الحرب قبل أن ترى النور.
وبينما كان واقفاً وسط ذلك الخراب، لمح طفلاً صغيراً يركض بين الأنقاض، يحمل كرة مهترئة ويضحك. توقف الرجل طويلاً عند تلك الضحكة. بدت غريبة وسط كل هذا الدمار، لكنها كانت حقيقية، نقية، تشبه الحياة حين ترفض الاستسلام.
عندها أدرك أن الحرب، مهما امتلكت من قوة، لا تستطيع أن تهزم كل شيء. فهي تهدم البيوت، لكنها لا تستطيع هدم الإرادة. وتسرق الأحبة، لكنها لا تستطيع انتزاع الذكريات. وتترك خلفها الرماد، لكن من بين الرماد دائماً تنبت بذرة جديدة للحياة.
رفع رأسه نحو السماء التي بدأت تستعيد زرقتها بعد سنوات من الدخان، ثم غادر المكان بخطوات هادئة. كان الحزن لا يزال يسكن عينيه، لكن شيئاً من الأمل كان قد عاد ليسكن قلبه.
وفي ذلك الحي المدمر، بين الدخان والرماد، لم يكن الرجل يودع الماضي فحسب، بل كان يتعلم للمرة الأولى كيف يفتح نافذة صغيرة للمستقبل!!
أمام ناظريه امتدت أطلال الحي الذي كان يوماً يعج بالحياة. لم يبقَ من البيوت سوى جدران مائلة تتكئ على بعضها كعجائز أنهكهن التعب، ولا من الشوارع سوى طرقات يغطيها الغبار والرماد. كانت رائحة الدخان العالقة في المكان تروي حكاية حرائق انطفأت منذ زمن، لكنها ما زالت مشتعلة في ذاكرة الناجين.
تقدم خطوة بطيئة، ثم أخرى. كان يعرف هذا الحي حجراً حجراً. هنا كان منزله، وهناك دكان صديقه الذي اعتاد أن يمازحه كل صباح. وفي الزاوية المقابلة كانت شجرة السدر التي كان الأطفال يتسابقون إلى ظلها في أيام الصيف الحارة.
أغمض عينيه للحظة، فعادت الأصوات التي غابت. ضحكات الأطفال، نداءات الأمهات، أحاديث الجيران عند المغيب. لكنه حين فتح عينيه لم يجد سوى الصمت. صمت ثقيل كأنه آخر ما خلفته الحرب وراءها.
لم يكن يبكي. فقد تجاوز البكاء منذ سنوات. بعض الأحزان تكبر حتى تصبح أكبر من الدموع نفسها. كان يحمل في قلبه أسماء كثيرة رحلت دون وداع، ووجوهاً غابت تحت الركام، وأحلاماً دفنتها الحرب قبل أن ترى النور.
وبينما كان واقفاً وسط ذلك الخراب، لمح طفلاً صغيراً يركض بين الأنقاض، يحمل كرة مهترئة ويضحك. توقف الرجل طويلاً عند تلك الضحكة. بدت غريبة وسط كل هذا الدمار، لكنها كانت حقيقية، نقية، تشبه الحياة حين ترفض الاستسلام.
عندها أدرك أن الحرب، مهما امتلكت من قوة، لا تستطيع أن تهزم كل شيء. فهي تهدم البيوت، لكنها لا تستطيع هدم الإرادة. وتسرق الأحبة، لكنها لا تستطيع انتزاع الذكريات. وتترك خلفها الرماد، لكن من بين الرماد دائماً تنبت بذرة جديدة للحياة.
رفع رأسه نحو السماء التي بدأت تستعيد زرقتها بعد سنوات من الدخان، ثم غادر المكان بخطوات هادئة. كان الحزن لا يزال يسكن عينيه، لكن شيئاً من الأمل كان قد عاد ليسكن قلبه.
وفي ذلك الحي المدمر، بين الدخان والرماد، لم يكن الرجل يودع الماضي فحسب، بل كان يتعلم للمرة الأولى كيف يفتح نافذة صغيرة للمستقبل!!