كرم الصَّبَّاغ - . كِسَاءُ الْجَمْرِ... قصة

في زيّه العسكريّ نزل في أول إجازةٍ بعد أن أنهى أيَّام تدريبه الخمس والأربعين في مركز تدريب الجنود الجُدد بالجبل الأحمر.. طويل القامة زادته أيَّام التَّدريب نحافةً على نحافته وسمرةً على سمرته.. وقف على عتبة الدَّار بوجهه المليح البشوش، في حين تدلَّت الحقيبة "الهاند باج" من كتفه.. كانت أمّه آنذاك منهمكةً في خضّ الزّبدة بتحريك ورجِّ إناء الفخار المُعَلَّق من أذنيه بحبلين معقودين في حمَّالة السَّقف الخشبيّ. وكانت كعادتها تُسرِّي عن نفسها، وتدندن بأغنيةٍ من أغنياتها البدويّة القديمة.. أبصر الفرحة تنطُّ من عينيَّ أخيه الأصغر، ورآه يتهيَّأ لإطلاق صرخة فرحٍ مدويَّة تعلن عن قدومه بعد غيابٍ، فسارع إلى وضع سبَّابته على فمه، وأشار إليه أنْ اصمت؛ فتمالك أخوه نفسه، وامتثل لرغبته في مفاجأة أمّه بنفسه. خلع بيادته العسكريَّة بخفَّةٍ، وتسحَّب على أطراف أصابعه، ووقف خلفها، وراح ينصت إلي صوتها الرَّخيم، وهي تغنّي:
( مرات نحمل في احموله الزايلة.
ومرات حتي الجُرْد* نُوْحَل* فيه
ومرات ننسى جروحي الغايرة
ونشقى* بجرح رِفِيقي ونداويه
ومرات نفرح والمدامع سايلة
ومرات حتي العيد نبكي فيه
ومرات أثقل ثقل نقعد شايلة
ومرات حتي حمل الريش نعجز فيه)
وما إن ردَّد خلفها الغناء، حتَّى ارتجف قلبها، وتركت ما بيدها، ونظرت إلى الخلف بلهفةٍ، وبمجرد أن وقع بصرها عليه هتفت باسمه، وهبَّت واقفةً، وجذبته إلى أحضانها، وغابا في عناقٍ طويلٍ.
(٢)
وقت أن كان طالبًا بالصَّف الأول بالمدرسة الثَّانويَّة ألقى الأستاذ صابر معلم اللغة العربية في الإذاعة المدرسيَّة قصيدةً للجنوبيّ، أشعلت حماسة الطُّلاب والمعلمين، ودوَّى فناء المدرسة بالتَّصفيق. ومنذ ذلك الصباح سرت محبة الشّعر ومحبة الأستاذ صابر في شرايينه، وبمرور الأيَّام توطَّدت العلاقة بينهما، ودأب الأستاذ صابر على إعارته دواوين الشّعر، ومن بينها الأعمال الكاملة لأمل دنقل، الذي عشق كلاهما شعره حدَّ الجنون. وبعد أن أنهى دراسته الثَّانويَّة والتحق بجامعة الإسكندرية، لم تنقطع علاقته بمعلمه بل راح يزوره من وقتٍ إلى آخر في بيته الكائن في المدينة الصَّحراوية ذاتها، وهناك رأى لأول مرَّةٍ رقيَّة ابنة معلمه، وما إن أبصرها، حتى ارتعش قلبه ارتعاشة طائر ذبح لتوه؛ إذ فتنه من أول وهلة نهار وجهها المُضَاء بغير شمسٍ، ولما عاود النَّظر إليها سحرته الشَّامة السُّوداء أسفل ثغرها العنابيّ، فبدا عليه الارتباك، ولاذ برِقّتها من سهام الضّدين المجتمعين في عينيها: الأسود الفاحم، والأبيض الخالص.. ولمَّا كانت الغزلان البريّةٌ لا تتنازل لأحدٍ عن سلاح حسنها طواعيةً، اختلطت الأوراق في ذلك اللقاء العابر؛ فصارت الغزالة صيادةً أطلقت سهام عينيها بغير رحمةٍ، فأرْدَتْه قتيلًا، ولكنَّها -ويا للعجب- بدلا من أن تحزن من أجل ضحيتها، أرسلت بابتهاجٍ مزيدا من السِّهام فاستقرَّت في قلب عاشقها الصَّريع.
(٣)
يبدَّل ملابسه ويتناول طعام الغداء، وينتظر على أحرً من الجمر، حتَّى تنقضي ساعات القيلولة، ومع حلول العصر يحلَّق بجناحيه إلى المدينة الصَّحراويَّة؛ كي ينعم بلقاء خطيبته رُقيَّة الَّتي أذابه الشَّوق إليها، وكي يجلس كسابق عهده في حضرة معلمه وصديقه الكبير.. عاد في ساعةٍ متأخرةٍ من اللَّيل، كان أخوه الأصغر ينتظر عودته بفارغ الصَّبر، ليستمع إلى حكاياته، وما إن دخل الدَّار، حتَّى فوجئا هو وأخيه بأمّهما تنهض من فراشها، كي تنضمَّ إليهما في سهرتهما. ليلتها كان رقيقا كالنَّسيم، وكان الوقت صيفًا، وكانت الأذن تعشق سماع حكاياته التي تنثال عذبةً من فمه. ضحك ثلاثتهم، وامتلأت قلوبهم بالبهجة، ولكن حينما سأله أخوه عن مكان الوحدة العسكريَّة الَّتي سيلتحق بها بعد أن أنهى أيَّام التَّدريب، نظر إليه بلومٍ وعتابٍ؛ فأدرك أخوه أنه أراد إخفاء الأمر برمّته عن أمّهما، الَّتي التقطت بفطنتها طرف الخيط، فأعادت عليه السؤال.. بعد انتهاء إجازته سافر بعيدًا، قطع المسافة من غرب مصر إلى أقصى شمالها الشرقي، حيث تشمخ الجبال العتيقة بمهابةٍ، وحيث تصطلي أشجار النَّخيل والزَّيتون بجذوات الخشوع والسَّكينةٍ.
(٤)
يبصر يدًا بيضاء تخرج من الفراغ، تناوله كأسًا ممتلئًة بشراب ورديٍّ، ، يشربه في الحال فيخفُّ جسمه ويشفُّ، ويطوي المسافات، ويحلُّ بعدَّة أماكن في الوقت ذاته، ففي وحدته العسكريَّة يراه زملاؤه الذين نجوا من الحادث الإرهابيّ نمرًا يقبض على سلاحه أثناء نوبة حراسته اللَّيلية، ويراه أهل النَّجع راعيًا، يهشُّ على غنمه، ويوزِّع على الرَّمل المسرات، ويراه أهل بيته بهيًّا يملأ الدَّار نورًا، يشارك أمّه خضَّ الزّبدة والغناء.. ينشد الشِّعر، ويستمع إلى الموسيقى، ويرسم وجوه الحسناوات، فيطلُّ كلَّ مرّةٍ من لوحاته الوجه ذاته وجه رقيَّة، وإن اختلفت الزَّوايا، ويراه أهل الطريق وليًّا تتبعه الكرامات كظلّه، وتراه رقيَّة فارسًا، يمتطي صهوة جوادٍ مُجَنَّحٍ، يردفها خلفه، ويحلِّقان معًا، ويتجاوزان السَّحاب.. تراه عصفورًا على حافة شباكها تحوطه أكاليل الورد البلديّ.. تراه قديسًا، تخبئه في قلبها، وتضيء لأيقونته كلَّ ليلةٍ شمعةً، وتعزف على وتر صبابتها لحنًا حزينًا لا ينقطع، ولا يطفئ حرقته نحيبٌ أو رثاءٌ.
(٥)
يدخل أخوه الأصغر الدَّار ليلًا، فيرى أمّه على غير عادتها، تجلس إلى إنائها الفخاريّ، تؤرجحه رغم أنه فارغٌ لا لبن فيه، إذ انقطع الحليب من دارهم منذ زمنٍ بعد أن جفَّت ضروع أبقارهم. تنتبه إلى وجوده، فتسأله باستنكارٍ: لماذا لم تصافح أخاك؟! وتشير إلى الأريكة ثم تخبره بأنَّه منذ أن عاد تمدّد على الأريكة وقد لزم الصَّمت، لكنّها تعدل عن كلامها بشكلٍ مفاجئ، وتحذره من الاقتراب منه، وترجوه أن يدعه يستريح بعد أن غلبه النُّعاس؛ فجسده على ما يبدو قد أنهكه طول التّجوال، وفي الصباح رباحٌ ومتسعٌ لإطفاء الأشواق.. يطاوعها، وينظر إليها بإشفاقٍ، ويأخذ بيديها إلى غرفتها، ويلمح في عينيها اللتين ابيضَّتا من الحزن، وكفّ بصرهما صورة أخيه بزيه العسكريّ القديم. وقبل أن يغادر غرفتها يسمعها تقول: لا تتعجب من امرأةٍ كفيفةٍ مثلي، ففي قلبي عينان مبصرتان أراك أنت وأخاك بهما مهما اشتدت العتمة من حولي.
(حاشية)
في تلك اللَّيلة البعيدة وبينما هو يقف في برج حراسته، خرج من بين طيات العتمة مسوخٌ لها أجسادٌ بشريَّةّ ووجوهٌ ضباعٍ يسيل من أفواهها لعابٌ منتن، قاموا بنسف أسوار المعسكر بقذائف شديدة الانفجار، فارتعشت السَّماء، وتلاشى هلالها، وانطفأت النُّجوم، واتَّصلت عتمة الأرض بصفحة السَّماء السَّوداء، وتناثرت أشلاء خمسةٍ من الجنود، في حين سقط هو من برجه المُتصدّع، مغشيًّا عليه، وعندما استفاق، وجد نفسه مُدثّرًا بغطاءٍ من أشلاء زملائه ودمائهم، ومن ليلتها أصابه ما أصابه، وعلى إثر ذلك سُرّح من الجيش، وعاد إلى النَّجع بجسده فقط؛ إذ انقلبت أحواله رأسًا على عقب، ما عاد يعرف أحدًا، حتَّى أمَّه ورقيَّة وأخاه الأصغر ومعلّمه، يهيم على وجه في الشَّوارع والخلاء وقد غُبّرَ وجهه واتَّسخت ملابسه الَّتي يرفض خلعها، صار يرى ما لا يراه الآخرون، ويسمع ما لا يسمعونه، تكبش يداه الجمر فلا تحترقان، يسير على الماء فلا تبتل قدماه الحافيتان أو ذيل قفطانه المهلهل، يتحدَّث إلى أشخاص لا يبصرهم أحدٌ سواه؛ وبمرور الأيَّام صار العشب ينبت تحت قدميه كلّما خطا على الرمل، وبعد شهر تقريبًا رفض العودة إلى داره، بعد أن تحوَّلت الصَّحراء المجاورة للنجع إلى واحة خضراء اتخذ من خلائها مسكنًا.

____________________
*الجُرد: كساء أبيض يلتحف به الرجل البدوي؛ فيغطي جسده كله. *نوحل فيه: أي لا أستطيع حمله، أو أتعثر فيه *نشقى: أي أهتم بشدة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...