البحث عن الخلاص في عالم نجيب محفوظ
أحمد رجب شلتوت
أحمد رجب شلتوت
بعد عشر سنوات من كتابه "الذاكرة والنسيان" يعود الناقد والأكاديمي "ممدوح فراج النابي" إلى عالم نجيب محفوظ في كتابه "نبلاء وحرافيش"، وفيه ينطلق من قناعة بأن عالم محفوظ، على اتساعه وتنوعه، تحكمه رحلة إنسانية كبرى هي البحث عن الخلاص؛ الفردي أو الجماعي، لدى السادة والحرافيش على السواء.
وهو يلاحظ أن أبطال محفوظ، مهما اختلفت مواقعهم الطبقية أو ظروفهم الاجتماعية، يبدون في النهاية كأنهم مسافرون في طريق طويل نحو يقين غامض، فهناك من يبحث عن العدالة، ومن يبحث عن الحرية، ومن يطارد الحقيقة، ومن يحاول التكفير عن خطاياه، ومن ثم يقرأ شخصيات محفوظ بوصفها شخصيات مأزومة وجوديًا. وهو كذلك يربط بين المسار الإبداعي لمحفوظ وبين تحولات رؤيته الفكرية، بدءًا من اهتمامه بالعدالة الاجتماعية وانتهاءً بانشغاله بالأسئلة الوجودية.
والقارىء للكتابين يلحظ تكاملهما معا، ففي الكتاب الأول يرتبط "البحث عن الخلاص" أساسًا بقضايا العدالة والتحرّر، وتحضر ثنائية القوة والضعف (نبلاء وحرافيش) وإن كانت عنوانًا صريحًا في الكتاب الثاني الذي يجعل من فكرة "البحث عن خلاص" إطارا مركزيا لفهم أدب محفوظ بأكمله.
يتوزع كتاب "نبلاء وحرافيش" على أربعة فصول تتناول روايات: ليالي ألف ليلة، والحرافيش، والكرنك، وحكايات حارتنا، وهي أعمال تنتمي إلى مراحل مختلفة من تجربة محفوظ، لكنها تطرح نفس السؤال: كيف يواجه الإنسان مصيره في عالم تحكمه السلطة والقدر والبحث الدائم عن معنى الوجود؟
يبدأ الناقد كتابه بتناول رواية "ليالي ألف ليلة"، حيث يتقصى مصير شهريار بعد أن انتهت الليالي، ومن هنا يقرأ الرواية باعتبارها رحلة تعافٍ لشهريار من ماضيه الدموي، ومحاولة للخروج من أسر السلطة المطلقة إلى أفق أكثر إنسانية. ويرى أن محفوظ كان يستخدم التراث قناعًا لانتقاد الاستبداد السياسي والفساد وتغول السلطة في الواقع العربي المعاصر. موضحا كيف حوّل محفوظ شخصية شهريار من مستمع سلبي للحكايات إلى فاعل يسعى إلى فهم العالم والناس، وكأن الخلاص لا يتحقق إلا بالخروج من عزلة السلطة والاقتراب من البشر.
وفي الفصل الثاني ينتقل إلى مستوى أوسع يتعلق بالتاريخ الاجتماعي وصراع القوى داخل الحارة المحفوظية، ويرى أن "الحرافيش" تمثل الامتداد الطبيعي لـرواية "أولاد حارتنا"، وأنها تكاد تكون ملحمة مصرية كبرى تتكرر فيها دورة السلطة والفساد والمقاومة عبر الأجيال، ويقدم قراءة لافتة لعائلة الناجي وأحفاده، موضحًا كيف يتحول الفتوة من رمز للحماية إلى أداة للقهر، وكيف تتكرر مأساة السلطة عبر الزمن حتى داخل الأسرة الواحدة.
كذلك يهتم بالشخصيات النسائية في الرواية، وخاصة "زهيرة" في حكاية "شهد الملكة"، حيث يبرز دور المرأة باعتبارها فاعلًا قادرًا على تغيير المصائر وكسر دوائر العنف، وأيضا يحاول الكشف عن الأنساق الفكرية الكامنة خلفها؛ فالصراع في الحرافيش ليس صراع أفراد فقط، وإنما صراع دائم بين القوة والعدل، وبين الامتياز الطبقي وحق المهمشين في الحياة الكريمة.
أما في تناوله لرواية "الكرنك" فيسعى إلى فهم كيفية انعكاس القمع السياسي على البنية النفسية للشخصيات التي تتعرض لتشويه الوعي، وتفقد قدرتها على الثقة بالآخرين أو حتى بذاتها، فيصبح مقهى الكرنك نموذجا مصغرا لمجتمع كامل يعيش تحت الخوف.
ويخصص الفصل الأخير لرواية "حكايات حارتنا"، حيث يعود محفوظ إلى فضائه الأثير، متمثلا في الحارة المصرية بوصفها صورة مصغرة للعالم، ويلاحظ أن الحارة هنا تم تقديمها باعتبارها نظامًا رمزيًا تتصارع داخله قوى متعددة: السلطة، الدين، الفقر، الحكمة، الجهل، البراءة، والعنف، ويهتم بصورة خاصة بالشخصيات المهمشة التي تحافظ على كرامتها رغم الفقر والقهر، معتبرًا أنها تمثل جوهر الرؤية الإنسانية لمحفوظ. وتميز هذا الفصل بإضاءته لفكرة "البله" في عالم محفوظ؛ فالبلهاء هنا يمثلون نوعًا من البراءة الروحية التي تتيح رؤية العالم بطريقة مختلفة عن رؤية أصحاب السلطة والنفوذ.
على الرغم من القيمة الواضحة للكتاب، فإن فرضية "البحث عن الخلاص" كانت مهيمنة بقدر كبير مما دفع الناقد إلى تأويل بعض الشخصيات والأحداث في ضوئها وحدها، مع أن بعض نصوص محفوظ تسمح بقراءات أخرى لا تقل أهمية. كما أن التركيز على البعد الفكري يجعل التحليل الفني أقل حضورًا في بعض المواضع، خاصة ما يتعلق باللغة السردية وتقنيات بناء الزمن والراوي.
وأخيرا فإن كتاب "نبلاء وحرافيش في مملكة نجيب محفوظ" يمثل إضافة مهمة إلى المكتبة النقدية المحفوظية. فهو يحاول اكتشاف الخيط الخفي الذي يجمع بينها جميعًا: رحلة الإنسان في مواجهة السلطة والقدر والزمن بحثًا عن خلاص قد يتحقق وقد يظل مؤجلًا، ومن خلال هذه الرؤية ينجح الدكتور ممدوح فراج النابي في تقديم قراءة متماسكة وممتعة، تجمع بين العمق الفكري وسلاسة العرض، وتدفع القارئ إلى العودة من جديد إلى عالم محفوظ، لا ليقرأه فقط، بل ليعيد اكتشافه.