أثر الذكر في طمأنينة القلب


ورد في الدعاء: «واجعل لساني بذكرك لهجًا، وقلبي بحبك متيمًا». دعاءٌ صغير في ألفاظه، واسعٌ في أثره، يختصر رحلة الإنسان مع الذكر؛ رحلة تبدأ بهمسة صادقة، وتنتهي بطمأنينة لا يشبهها شيء في زحام الدنيا وضجيجها كنتُ أتساءل دائمًا: لماذا البعض يديم على الأذكار؟ لماذا يلهجون بذكر الله دائمًا في كل تفاصيل حياتهم؟ هل بغية ثواب الآخرة فقط؟ أم أنهم يطلبون الحفظ من المكروهات الدنيوية والأوجاع اليومية؟ أم لجلب الخير والرزق الذي لا ينقطع؟ أم هي مجرد عادة طيبة توارثها الأبناء عن الآباء والأجداد؟أتساءل وأنا أرى بعضهم يديمون الأذكار آناء الليل وأطراف النهار، في كل حال وعلى كل وضع.

أراقبهم وأقول: هل هناك أسرار؟ هل في الذكر سرٌّ لا يراه ولا يدركه إلا من داوم عليه بصدق؟ هل هي بركة خفية تتسلل بهدوء إلى حياة الذاكرين وتجعل أيامهم أهدأ وقعًا وأكثر سعة وبركة، وكأنهم يمتلكون وقتًا إضافيًا لا يمتلكه غيرهم؟ في إحدى زياراتي لأحد المطاعم أصابني صداع شديد فاجأني في نهار يوم جمعة. التفتت لي زوجتي ومدّت لي مسبحة حين قلت لها: لدي صداع شديد. قالت بهدوء وثقة: "صلِّ على النبي مائة مرة". بدأتُ أردد الكلمات، وفي منتصف العدد لم أنتهِ إلا وقد زال الصداع والألم تمامًا. تعجبت كيف أن هذا الصداع زال وكأنني تناولت عقارًا سحريًا أو دواءً طبيًا. لم يكن مسكنًا، بل كانت كلمات خرجت بيقين فصنعت ما لم تصنعه الأدوية، وحينها شعرت أن للذكر قوة خفية تتجاوز المنطق المادي.

يا صاحبي، هل هناك أسرار في الأذكار؟ البعض يضع البخور صباحًا لجلب الرزق وطرد الحسد وتسريح الشرور، أليس ذكر الحبيب المصطفى أفضل طيب؟ أليس نور الذكر أقوى وأرسخ أثرًا في النفس وأبقى في القلب من أي رائحة تتبدد سريعًا؟ هل سمعت بمعجزة الصباح؟ ماذا لو قلت لك إن في الأذكار معجزة تغير كيمياء يومك؟ هل تصدق؟ البعض يطلب وسائل الدنيا ويغفل عن وسائل الآخرة. ماذا لو وضعت شيئًا من الذكر على مشروعك الجديد، ولو بمقدار الملح في الطعام؟ ألا يحدث هذا الذكر فارقًا؟ ألا يفتح بابًا للبركة لم يكن مُحتسبًا؟ ألا يزرع طمأنينة في القلب تجعل خطواته أثبت؟ شاهدتُ إحداهن تبخر سيارة ابنها الجديدة، ولكن هل جرّبت أثر الذكر؟ أليس في القرآن آيات الحفظ والحراسة الإلهية؟

لماذا يصدق الناس أثر البخور الذي يزول، ولا يصدقون أثر الأذكار التي هي وعد إلهي؟ لماذا نؤمن بالأشياء التي نراها ونلمسها، ونتردد أمام ما يغيّر القلب قبل أن يغيّر الظاهر؟ إن ذكر اسم الله على الطعام والشراب يحدث أثرًا كيميائيًا — كما قرأت في إحدى الدراسات الحديثة — فالنية والامتنان يغيران استجابة الجسد. ألا يعني ذلك أن للبسملة أثرًا؟ لماذا يتهاون البعض بالبسملة وهي من أهم الأذكار، وخاصة عند البدء في المشاريع والأمور؟ كأنها مفتاح صغير يفتح أبوابًا كبيرة لكن الناس يغفلون عنه بتهاون. هل هذا الكلام كلام عجائز وخرافات؟ أم بالفعل هناك آثار حقيقية، لكننا لم نمنحها الفرصة لتظهر في حياتنا بسبب ضعف اليقين؟

البعض لا يستخدم الأذكار تهاونًا أو ضعفًا في اليقين. ولكن ماذا لو كان للذكر أثرًا ملموسًا على حياتك وطمأنينة قلبك، ألا يستحق التجربة؟ لماذا لا نجرب أثر الأذكار في حياتنا ونراه بأعين قلوبنا؟ بعضهم لا يستطيع التنفس إلا بالذكر. تعجبت من مريض سلّمه الله من جلطة خطيرة، فأقسم مع نفسه أن لا يتكلم إلا بحمد الله. إذا سأله أحدهم قال: "الحمد لله"، وإذا أراد الحديث قال: "الحمد لله". لقد أصبح الذكر له أكسجينًا لا يستطيع العيش من دونه، كأن قلبه يرفض الحياة ما لم يذكر الحبيب. الكل يقول: ضاعت من دنيانا البركة... ألا تعتقدون أن السر في أننا تركنا بركة الأذكار والاستغفار؟ هل البركة غابت أم نحن من غبنا عنها حين هجرنا لغة السماء؟

كل عاقل إذا أدرك أثر الذكر في حياته سيديم أذكاره. فإذا عجزت عن قول الحمد لله مائة مرة، فقل الحمد لله ولو مرة، فالله يضاعف لمن يشاء. والقليل عند الله ليس قليلًا. وقد لا تفوتك البركة، بل قد تتنزل عليك من حيث لا تحتسب. الذكر لا يحتاج إلى منصة، ولا إلى صوت عالٍ، ولا إلى جمعٍ من الناس. يكفيك أن تهمس به في نفسك، في الطريق، في المطبخ، قبل النوم، وأنت تقود السيارة. يكفي أن تذكرهُ بصدق، فيذكرك هو بعظمة. تذكّر قوله تعالى: "َاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ". أي وعد أعظم من هذا؟ يكفي أن تذكره، فيذكرك. يكفي أن تهمس، فيصلك الصدى من السماء.
أرجو أني قد وفقت في تقديم خطوة واحدة في سبيل إشاعة مجالس الذكر. فابدأ بكلمة واحدة، بقلب حاضر، فالقليل في هذا الباب ليس قليلًا أبدًا.​

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...