ھدى حجاجي أحمد - ظل امرأة في باريس... الجزء العاشر: عطر الآلام

أغلقتُ عقلَ الكتب في رأسي...

وأتيتُ إليك.

تركتُ وراء ظهري كل ما تعلمته عن الحكمة، وعن الاتزان، وعن تلك النصائح التي يكتبها العقلاء في هوامش الحياة. أغلقت أبواب المنطق واحدًا تلو الآخر، كمن يطفئ مصابيح بيتٍ قديم قبل أن يغادره إلى المجهول.

وجئتُ ألغي وعيي بك.

أو هكذا ظننت.

لكنني اكتشفت متأخرة أن الإنسان لا يستطيع أن يلغي ما صار جزءًا من تكوينه.

فبعض الأشخاص لا نسكنهم فقط...

بل يسكنوننا.

يصيرون جزءًا من طريقة رؤيتنا للأشياء، ومن ارتعاشة أصواتنا حين نتكلم عن الحب، ومن ذلك الفراغ الغامض الذي يتسع في الروح كلما ابتعدوا.

كان غيابك عطر آلامي.

ويا للمفارقة.

كيف يمكن للوجع أن يمتلك رائحة؟

وكيف يمكن للفقد أن يتحول إلى شيءٍ نحمله معنا كما نحمل ذكرى عزيزة؟

كنتُ أشعر بك في أكثر اللحظات وحدة.

في الصباحات الباردة التي تستيقظ فيها باريس قبل شمسها.

وفي المساءات التي تتكئ فيها المدينة على ضفاف السين كعجوزٍ متعب يراجع سنواته الأخيرة.

وفي تلك اللحظات التي يهدأ فيها كل شيء، ويعلو صوت القلب وحده.

هناك كنتَ تظهر.

لا كذكرى.

بل كحضور خفي.

كأن غيابك لم يكن سوى شكل آخر من أشكال البقاء.

سارت يومها طويلًا.

كانت الأرصفة مبللة بمطر خفيف، والسماء تضع فوق المدينة وشاحًا رماديًا من الغيم.

مرّت أمام مكتبة قديمة اعتادت أن تزورها.

توقفت قليلًا أمام الواجهة الزجاجية.

حدقت في الكتب المصطفة خلف الزجاج.

ابتسمت.

تذكرت عبارتها القديمة:

"أغلقت عقل الكتب في رأسي..."

لكن الحقيقة كانت مختلفة.

فالكتب لم تعلمها كيف تنسى.

والقصائد لم تنقذها من الحنين.

وكل الفلسفات التي قرأتها لم تستطع أن تشرح لها لماذا يظل شخص واحد قادرًا على إرباك قلبٍ بأكمله.

دخلت المكتبة.

تجولت بين الرفوف بصمت.

لامست بأطراف أصابعها عناوين كثيرة.

ثم وقعت عيناها على كتاب قديم مهترئ الأطراف.

فتحته عشوائيًا.

فوقعت على جملة تقول:

"بعض اللقاءات لا تحدث كي تستمر، بل كي تغيّرنا إلى الأبد."

أغلقت الكتاب بسرعة.

كأن الجملة ضبطتها متلبسة بالحنين.

خرجت من المكتبة وهي تحمل في قلبها ارتباكًا عذبًا.

ولأول مرة منذ زمن طويل، لم تحاول مقاومته.

فهمت أن بعض الأحزان لا تحتاج علاجًا.

بل تحتاج اعترافًا.

وأن بعض الغيابات لا تُمحى.

بل تتحول مع الوقت إلى جزء من موسيقى الروح.

كانت الأضواء المسائية تشتعل في النوافذ البعيدة.

والمدينة تستعد لليل جديد.

أما هي، فكانت تمشي ببطء، كأنها تصالحت أخيرًا مع حقيقة بسيطة:

أن الحب لا يُقاس بمن بقي.

بل بمن ترك أثرًا لا يزول.

وأن بعض الغائبين...

يظلون أقرب إلينا من كثير من الحاضرين.

رفعت ياقة معطفها في مواجهة نسمة باردة.

ونظرت إلى السماء.

ثم همست باسمه.

لا لتستدعيه.

ولا لتعاتبه.

بل لتمنحه مكانه الأبدي داخل ذاكرتها.

المكان الذي لا تطاله المسافات.

ولا يفسده الزمن.

ولا يستطيع الغياب أن ينتزعه.

ومضت...

بينما كان عطر آلامها يرافقها كظلٍّ وفيّ،

لا يؤذيها كما في السابق،

بل يذكرها أنها أحبت يومًا...

بكل ما أوتي القلب من حياة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...