فلسطين أكبر من الجميع: دروس التاريخ في مواجهة عبادة الأشخاص وصناعة الأوهام السياسية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
على امتداد أكثر من أربعة عشر قرنًا من التاريخ، بقيت فلسطين حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي والإنساني، بينما تعاقب عليها خلفاء وسلاطين وأمراء وولاة وقادة وجيوش وإمبراطوريات، رحلوا جميعًا وبقيت فلسطين. وهذه الحقيقة التاريخية تشكل إحدى أهم القواعد التي ينبغي استحضارها في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ القضية الفلسطينية: فلسطين أكبر من الجميع، وأبقى من الجميع، وأعظم من أن تُختزل في شخص أو حزب أو فصيل أو سلطة.
منذ الفتح الإسلامي لفلسطين في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 638م، لم تكن فلسطين يومًا مشروعًا شخصيًا لحاكم أو ملك. فعندما دخل عمر القدس وتسلم مفاتيحها، لم يدخلها فاتحًا متوجًا يبحث عن مجد شخصي، بل قائدًا يؤسس لمفهوم الدولة والعدالة والتعايش. لم يحمل اسم المدينة اسمه، ولم تُبْنَ شرعية الحكم على تقديس شخصه، بل على شرعية الرسالة والقيم والمصلحة العامة.
وعلى مدار القرون اللاحقة، تعاقبت على فلسطين الدولة الأموية والعباسية والفاطمية والأيوبية والمملوكية والعثمانية. وخلال هذه الحقب الطويلة لم تتوقف محاولات القوى المتصارعة للسيطرة على فلسطين باعتبارها موقعًا استراتيجيًا ومركزًا حضاريًا ودينيًا بالغ الأهمية، لكن أحدًا لم ينجح في احتكارها أو تحويلها إلى ملكية خاصة أو إرث شخصي.
عندما احتل الصليبيون القدس عام 1099م ظنوا أنهم أنهوا هوية فلسطين العربية والإسلامية، لكن بعد أقل من قرن جاء صلاح الدين الأيوبي واستعاد القدس. لم ينتصر صلاح الدين لأنه كان فردًا استثنائيًا فحسب، بل لأنه استطاع أن يحول قضية القدس إلى مشروع أمة لا إلى مشروع شخص. ولهذا بقيت ذكراه مرتبطة بتحرير الأرض لا بصناعة عبادة الفرد.
وفي العهد العثماني الذي امتد أربعة قرون، ورغم كل ما يقال عن إيجابياته وسلبياته، لم تفقد فلسطين هويتها المجتمعية والوطنية. وحين بدأت الحركة الصهيونية مشروعها الاستعماري الاستيطاني في أواخر القرن التاسع عشر، واجهت مجتمعًا فلسطينيًا متجذرًا في أرضه، لا مجتمعًا قائمًا على الولاء لشخص أو عائلة حاكمة.
لقد أثبتت الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1936 و1939 أن الفلسطينيين كانوا قادرين على إنتاج حالة وطنية جامعة تتجاوز الأشخاص. كما أثبتت النكبة عام 1948 أن اقتلاع الشعب من أرضه لم يؤد إلى اقتلاع فلسطين من الوعي الوطني. فانهارت حكومات وتغيرت أنظمة ورحلت قيادات، لكن القضية بقيت حية.
ومنذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، ثم انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة، برزت أسماء قيادية كثيرة لعبت أدوارًا مهمة في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، لكن التجربة الفلسطينية أكدت مرارًا أن قوة المشروع الوطني لا تُقاس بحضور الأفراد بل بقدرة المؤسسات على الاستمرار وتجديد نفسها. فالقادة يرحلون، أما الشعوب فتبقى، والمؤسسات الوطنية الحقيقية هي التي تصمد أمام اختبار الزمن.
ولعل من أخطر الظواهر التي واجهتها حركات التحرر الوطني عبر التاريخ هي ظاهرة اختزال الوطن في الأشخاص، وتحويل النقد السياسي إلى جريمة، وتحويل القائد إلى رمز فوق المساءلة والمحاسبة. فالتاريخ يخبرنا أن الأمم التي بنت شرعيتها على المؤسسات والقانون استمرت وتطورت، بينما دفعت الأمم التي بنت شرعيتها على تقديس الأفراد أثمانًا باهظة عند غياب هؤلاء الأفراد أو سقوطهم.
إن الشعب الفلسطيني بطبيعته التاريخية والاجتماعية لم يكن يومًا شعبًا يقبل بسهولة ثقافة التقديس السياسي. فمنذ العهد الكنعاني مرورًا بالعصور الإسلامية وحتى العصر الحديث، حافظ الفلسطينيون على نزعة مجتمعية تقوم على الانتماء للأرض والعائلة والمدينة والوطن أكثر من انتمائها للأشخاص. ولذلك بقيت محاولات صناعة الزعامات المطلقة تصطدم دائمًا بوعي جمعي يرى أن فلسطين أكبر من أي قائد وأكبر من أي تنظيم.
وفي اللحظة الراهنة، حيث تتعرض القضية الفلسطينية لأخطر محاولات التصفية السياسية والجغرافية والديموغرافية منذ النكبة، تصبح الحاجة أكثر إلحاحًا لاستعادة هذه الحقيقة التاريخية. فالتحديات التي تواجه الفلسطينيين اليوم لا يمكن التصدي لها بعقلية الفرد أو الفصيل أو الجهة المحتكرة للحقيقة، بل بعقلية المشروع الوطني الجامع القائم على الشراكة السياسية والمؤسسات الوطنية وسيادة القانون واحترام التعددية.
إن الذين يراهنون على الانقسامات الفلسطينية أو على ضعف المؤسسات الوطنية أو على تضارب المصالح الشخصية يكررون أخطاء من سبقهم. فقد راهنت قوى كثيرة عبر التاريخ على انتهاء فلسطين أو ذوبان هويتها أو انكسار إرادة شعبها، لكنها جميعًا فشلت لأن فلسطين ليست مجرد رقعة جغرافية، بل فكرة وطنية وحضارية متجذرة في التاريخ والوجدان.
لقد سقطت إمبراطوريات كانت تملأ الدنيا قوة ونفوذًا، من الرومان إلى الصليبيين إلى الاستعمار الحديث، بينما بقي اسم فلسطين حاضرًا في التاريخ. وسقطت مشاريع سياسية كبرى ظنت أنها قادرة على إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحها، لكن فلسطين ظلت محور الصراع ومركزه.
لهذا فإن الدرس الأهم الذي يقدمه التاريخ للفلسطينيين اليوم هو أن الأوطان لا تُبنى بالأشخاص مهما بلغت مكانتهم، بل تُبنى بالمؤسسات والعدالة والشراكة الوطنية. وأن فلسطين التي نجت من الغزوات والحروب والمؤامرات عبر قرون طويلة ستبقى عصية على المتآمرين والمتنفذين، لأنها أكبر من الجميع، ولأن شعبها أثبت مرارًا أنه قادر على تجاوز المحن واستعادة المبادرة مهما اشتدت التحديات.
فلسطين كانت قبلنا، وستبقى بعدنا، وستظل معيار النجاح الحقيقي لأي قيادة أو مشروع سياسي بقدر ما يخدم شعبها ويحفظ حقوقه الوطنية، لا بقدر ما يصنع من أمجاد شخصية أو مكاسب مؤقتة
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
على امتداد أكثر من أربعة عشر قرنًا من التاريخ، بقيت فلسطين حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي والإنساني، بينما تعاقب عليها خلفاء وسلاطين وأمراء وولاة وقادة وجيوش وإمبراطوريات، رحلوا جميعًا وبقيت فلسطين. وهذه الحقيقة التاريخية تشكل إحدى أهم القواعد التي ينبغي استحضارها في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ القضية الفلسطينية: فلسطين أكبر من الجميع، وأبقى من الجميع، وأعظم من أن تُختزل في شخص أو حزب أو فصيل أو سلطة.
منذ الفتح الإسلامي لفلسطين في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 638م، لم تكن فلسطين يومًا مشروعًا شخصيًا لحاكم أو ملك. فعندما دخل عمر القدس وتسلم مفاتيحها، لم يدخلها فاتحًا متوجًا يبحث عن مجد شخصي، بل قائدًا يؤسس لمفهوم الدولة والعدالة والتعايش. لم يحمل اسم المدينة اسمه، ولم تُبْنَ شرعية الحكم على تقديس شخصه، بل على شرعية الرسالة والقيم والمصلحة العامة.
وعلى مدار القرون اللاحقة، تعاقبت على فلسطين الدولة الأموية والعباسية والفاطمية والأيوبية والمملوكية والعثمانية. وخلال هذه الحقب الطويلة لم تتوقف محاولات القوى المتصارعة للسيطرة على فلسطين باعتبارها موقعًا استراتيجيًا ومركزًا حضاريًا ودينيًا بالغ الأهمية، لكن أحدًا لم ينجح في احتكارها أو تحويلها إلى ملكية خاصة أو إرث شخصي.
عندما احتل الصليبيون القدس عام 1099م ظنوا أنهم أنهوا هوية فلسطين العربية والإسلامية، لكن بعد أقل من قرن جاء صلاح الدين الأيوبي واستعاد القدس. لم ينتصر صلاح الدين لأنه كان فردًا استثنائيًا فحسب، بل لأنه استطاع أن يحول قضية القدس إلى مشروع أمة لا إلى مشروع شخص. ولهذا بقيت ذكراه مرتبطة بتحرير الأرض لا بصناعة عبادة الفرد.
وفي العهد العثماني الذي امتد أربعة قرون، ورغم كل ما يقال عن إيجابياته وسلبياته، لم تفقد فلسطين هويتها المجتمعية والوطنية. وحين بدأت الحركة الصهيونية مشروعها الاستعماري الاستيطاني في أواخر القرن التاسع عشر، واجهت مجتمعًا فلسطينيًا متجذرًا في أرضه، لا مجتمعًا قائمًا على الولاء لشخص أو عائلة حاكمة.
لقد أثبتت الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1936 و1939 أن الفلسطينيين كانوا قادرين على إنتاج حالة وطنية جامعة تتجاوز الأشخاص. كما أثبتت النكبة عام 1948 أن اقتلاع الشعب من أرضه لم يؤد إلى اقتلاع فلسطين من الوعي الوطني. فانهارت حكومات وتغيرت أنظمة ورحلت قيادات، لكن القضية بقيت حية.
ومنذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، ثم انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة، برزت أسماء قيادية كثيرة لعبت أدوارًا مهمة في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، لكن التجربة الفلسطينية أكدت مرارًا أن قوة المشروع الوطني لا تُقاس بحضور الأفراد بل بقدرة المؤسسات على الاستمرار وتجديد نفسها. فالقادة يرحلون، أما الشعوب فتبقى، والمؤسسات الوطنية الحقيقية هي التي تصمد أمام اختبار الزمن.
ولعل من أخطر الظواهر التي واجهتها حركات التحرر الوطني عبر التاريخ هي ظاهرة اختزال الوطن في الأشخاص، وتحويل النقد السياسي إلى جريمة، وتحويل القائد إلى رمز فوق المساءلة والمحاسبة. فالتاريخ يخبرنا أن الأمم التي بنت شرعيتها على المؤسسات والقانون استمرت وتطورت، بينما دفعت الأمم التي بنت شرعيتها على تقديس الأفراد أثمانًا باهظة عند غياب هؤلاء الأفراد أو سقوطهم.
إن الشعب الفلسطيني بطبيعته التاريخية والاجتماعية لم يكن يومًا شعبًا يقبل بسهولة ثقافة التقديس السياسي. فمنذ العهد الكنعاني مرورًا بالعصور الإسلامية وحتى العصر الحديث، حافظ الفلسطينيون على نزعة مجتمعية تقوم على الانتماء للأرض والعائلة والمدينة والوطن أكثر من انتمائها للأشخاص. ولذلك بقيت محاولات صناعة الزعامات المطلقة تصطدم دائمًا بوعي جمعي يرى أن فلسطين أكبر من أي قائد وأكبر من أي تنظيم.
وفي اللحظة الراهنة، حيث تتعرض القضية الفلسطينية لأخطر محاولات التصفية السياسية والجغرافية والديموغرافية منذ النكبة، تصبح الحاجة أكثر إلحاحًا لاستعادة هذه الحقيقة التاريخية. فالتحديات التي تواجه الفلسطينيين اليوم لا يمكن التصدي لها بعقلية الفرد أو الفصيل أو الجهة المحتكرة للحقيقة، بل بعقلية المشروع الوطني الجامع القائم على الشراكة السياسية والمؤسسات الوطنية وسيادة القانون واحترام التعددية.
إن الذين يراهنون على الانقسامات الفلسطينية أو على ضعف المؤسسات الوطنية أو على تضارب المصالح الشخصية يكررون أخطاء من سبقهم. فقد راهنت قوى كثيرة عبر التاريخ على انتهاء فلسطين أو ذوبان هويتها أو انكسار إرادة شعبها، لكنها جميعًا فشلت لأن فلسطين ليست مجرد رقعة جغرافية، بل فكرة وطنية وحضارية متجذرة في التاريخ والوجدان.
لقد سقطت إمبراطوريات كانت تملأ الدنيا قوة ونفوذًا، من الرومان إلى الصليبيين إلى الاستعمار الحديث، بينما بقي اسم فلسطين حاضرًا في التاريخ. وسقطت مشاريع سياسية كبرى ظنت أنها قادرة على إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحها، لكن فلسطين ظلت محور الصراع ومركزه.
لهذا فإن الدرس الأهم الذي يقدمه التاريخ للفلسطينيين اليوم هو أن الأوطان لا تُبنى بالأشخاص مهما بلغت مكانتهم، بل تُبنى بالمؤسسات والعدالة والشراكة الوطنية. وأن فلسطين التي نجت من الغزوات والحروب والمؤامرات عبر قرون طويلة ستبقى عصية على المتآمرين والمتنفذين، لأنها أكبر من الجميع، ولأن شعبها أثبت مرارًا أنه قادر على تجاوز المحن واستعادة المبادرة مهما اشتدت التحديات.
فلسطين كانت قبلنا، وستبقى بعدنا، وستظل معيار النجاح الحقيقي لأي قيادة أو مشروع سياسي بقدر ما يخدم شعبها ويحفظ حقوقه الوطنية، لا بقدر ما يصنع من أمجاد شخصية أو مكاسب مؤقتة