إبراهيم محمود - درس في التعرية... قصة

تعرضتْ بلدة صغيرة لاجتياح مباغت من وجوه ملثّمة، ليلاً ، وأرغم أصحابُها أغلبَ أهلها الذين يعرفون بعضهم بعضاً على الخروج إلى ساحتها الكبيرة في وسطها. مستثنين كبار السن، ومن يعجزون عن القيام لأسباب مرضية والصغار.
كان التهديد بالسلاح والهراوات، وعبر أوامر مقتضبة صحبة إشارات سريعة دالة على أن وراء أي تقصير أو عصيان يكون القتل في الحال.
ما كانوا يعرفون الدافع وراء هذا الجمع القسري، لكن خوفاً معهوداً تسلل إلى قلب كل منهم، وهم يحاولون النظر الجانبي إلى تلك الوجوه التي بالكاد تُرى عيونها.
لم يطل المقام بهم في الساحة، حين فوجئوا بأمر صدم الجميع، ودون استثناء:
ليترك كل منكم مسافة بينه وبين الذي بجواره، وكما أنتم، ولتنزعوا كل ما عليكم من لباس، وحذار من أي تحرك أو تغيير في المكان.
تملل الجميع، لكنهم حين رأوا أن هراوات تنزل على رؤوس البعض، وأيدي أو ظهور آخرين وأخريات..وجدوا أنفسهم أمام امتحان صعب جداً.
الموضوع ليس مزاحاً إذاً!
كيف يمكنهم أن يتعروا؟ كيف يمكن لأي منهم أن يظهر مكشوفاً بكامل عريه وأمام الجميع، وقد توزع المهاجمون بينهم، لئلا يعطوا أي مجال لأي كان في أن يغيّر مكانه، كأن تقف امرأة قريباً من أخرى أو تحتمي بها، أو حتى برجلها وبالعكس..وهناك من طُرحوا أو طرحن أرضاً لحظة رفض تنفيذ الأمر.
كان كل شيء يتم بسرعة، كما لو أن هناك مخططاً وضِع ووجب تنفيذه بالسرعة الممكنة!
لم يكن هناك من تفسير لما حدث، سوى أن كلاً منهم كان ينظر إلى من حوله. إنها المرة الأولى التي يجدون أنفسهم في وضع مكشوف كهذا. التعرية أو الموت قتلاً، بالهراوة أو السلاح الناري.
انسالت دماء من أجسام كثيرة.. لكن الجميع اضطروا، إلى الرضوخ وهم بين خيار الرفض، حيث يكون القتل حتى الموت في انتظارهم، أو القبول، فتكون التعرية التي لم يسبق حتى للبعض منهم، وفي بيوتهم، أن تعروا هكذا أمام زوجاتهم، فكيف الحال مع النساء، حيث الوضع أصعب؟
بمُدد قصيرة أو سريعة أو متوسطة، تعرى الجميع، بسرعات متباينة. كل كلٌ منهم يخشى أن يُنظَر إليه، وهو يعلم أنه منظور إليه، وفي زمن قصير، كثيرون رأوا أجسام بعضهم بعضاً، رجالاً ونساء، ممن كانوا قريبين من بعضهم بعضاً.
انتقلوا في الحالة هذه، وهم مكشوفون من الجهات كافة، إلى وضع آخر، وقد تحرر البعض منهم سريعاً مما يخصهم جسمياً، وتحديداً في النقاط الحساسة المعلومة فيهم، ليختلسوا النظر أولاً، وبعد قليل ليكونوا أكثر مرونة وفضولاً في مكاشفة ما هو مخفي.
الذين استجابوا للأمر، بداية، وهم من الذكور، كانوا واثقين مما يخصهم. بينما النساء فقد كنّ، ولأسباب معلومة، غير قادرات على رفع رؤوسهن مثل الذكور، لكن فضولهن بالمقابل، دفعهن لأن ينخرطن في اللعبة.
نسبة كبيرة من الرجال والنساء عبّروا بسخرية مبطنة عما رأوه. لا أكثر من أولئك الذين كانوا يتبخترون في مشيتهم ولا يكفّون عن التعبير بألفاظ لها دلالتها، جهة المشاهد المثيرة فيهم، أو فيهن. وها قد كشفت الأجسام:بالنسبة للجميع عن حقيقتها، متحررة من ثيابها وما كانت تعمد إليه في منح الجسم قواماً آخر للفت النظر، أو كان يتردد على الألسنة من مزاعم عما يثير كل طرف.
كل منهم أدرك أنه لم يعد سيد نفسه، ويقول في جسمه كما يريد، إنما كما بات مرئياً. يا للامتحان الرهيب.
بعد أن مضي بعض الوقت، سُمح لهم في أن يرتدوا ثيابهم ويمضوا إلى بيوتهم، وبعد ذلك خرج ذوو الوجوه الملثمة ، دون ترْك أي أثر.
اضطربت البلدة من الداخل، في كل بيت تقريباً على خلفية مما جرى، والسؤال عمّن يكون أولئك.
في الصباح الباكر، شهدت الطرق الخارجية للبلدة مع دروبها الضيقة كذلك، ازدحاماً من قبل الأهالي رجالاً ونساءً، وهم يخرجون منهاوبأحمال خفيفة.
خرجوا بوجوه ملثمة. ومن بقي في البلدة شكَّلوا قلة قليلة جداً.
لقد أدرك أولئك الذين تعرّوا وبعد عودتهم إلى بيوتهم أن البلدة، بلدتهم لم تعد جديرة بالبقاء فيها، حيث الكثير مما كانوا يصفون أنفسهم به، رجالاً ونساء، لم يعد مجدياً.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...