مقتطف هدى حجاجي - ظل امرأة في باريس الجزء الخامس عشر: حين ألقاها...

في باريس، لا تأتي المعجزات كثيرًا.
لهذا لم أكن أصدق أن الطرق التي أضعتها في البحث عنك، ستعيدك إليّ ذات مساءٍ بارد، عند زاوية شارعٍ اعتاد أن يشهد وحدتي. كنتُ أمشي كعادتي، أجرُّ خلفي أيامًا طويلة من الحنين، وأحمل في قلبي من الغياب ما يكفي لعمرٍ كامل، حتى رفعتُ رأسي فجأة...

وكانت هي اللحظة.

اللحظة التي يتوقف فيها الزمن عن أداء واجبه.

اللحظة التي تُربك الساعات، وتنسى فيها الأرض دورانها.

حين ألقاها...

تُتمتم الروح، ويتبعثر زماني.

يختفي الكون...

وتبقى هي.

وكأن الهوى فيها رماني من ضفةٍ إلى أخرى، دون أن يمنحني فرصة النجاة.

وقفتُ أحدق فيها كمن يرى حلمًا قديمًا عاد من منفاه الطويل.

لم تتغير كثيرًا.

كانت تحمل الملامح ذاتها التي حفظها قلبي عن ظهر وجع.

العينان اللتان كنتُ أضيع فيهما كلما حاولتُ النجاة.

والابتسامة التي كانت تهزم كل حصوني.

---

حينها شعرتُ أنني أدور الدنيا فرحًا بلا خُطى.

دون أن أبرح مكاني.

كأن المدن كلها مرت من أمامي في ثانية واحدة.

وكأن سنوات الفراق انكمشت فجأة داخل نبضة.

لكن الفرح لم يكن نقيًا.

كان ممزوجًا بذلك الألم الذي يتركه الغياب حين يعود متأخرًا.

فبعض اللقاءات لا تُعيد ما ضاع.

بل تُذكّرنا بحجم ما فقدناه.

---

وفي دمي ثورةٌ عارمة.

ترتطم بالقلب وتُعاني.

ألف سؤالٍ كان يركض داخلي.

أين كانت كل هذا الوقت؟

وهل كانت تفتقدني كما افتقدتها؟

وهل يكفي لقاءٌ واحد لترميم هذا الخراب الجميل الذي تركه الفراق؟

لكن الكلمات خانتني.

كما تفعل دائمًا أمام الأشياء الكبيرة.

---

اكتفيتُ بالنظر إليها.

وكانت روحي تصرخ لها في صمت.

تشتهي ضمّةً واحدة.

ضمّةً لا تُعيد الماضي.

بل تُعيد ترتيب كياني.

تجمع شتات السنوات.

وتربط أطراف القلب التي بعثرها الانتظار.

---

في تلك اللحظة أدركتُ أن الحب الحقيقي لا يموت.

قد يشيخ.

قد يتعب.

قد يختبئ طويلًا خلف الجدران.

لكنه يبقى هناك...

ينبض في مكانٍ خفي من الروح.

ينتظر مصادفةً واحدة.

نظرةً واحدة.

أو لقاءً عابرًا في شارعٍ من شوارع باريس.

كي يستيقظ من جديد.

وكأن الفراق لم يكن سوى حلمٍ طويل.

وكأن القلب، رغم كل ما مرّ به، ما زال يعرف طريقه إليها وحدها.

بقلم الكاتبة الروائية: هويدا حجاجي أحمد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...