عبدالأمير المجر - مذكرات قاص فاشل...

ها هو على اعتاب السبعين من عمره، وقد اتخذ قراره الأخير .. ظل يعتقد، ان أحدا لم ينصفه قاصا، فأراد ان ينصف نفسه انسانا ... فمنذ ان بدأ رحلته مع كتابة القصة وهو في ريعان الشباب، كان يداري احباطاته المتكررة بالأمل الذي يجدده بعد كل اعتذار عن نشر قصة له من قبل صحيفة او مجلة حتى وصلت الى المئات، ولم ينشر الاّ عددا قليلا مما كتب، ولم تغامر ايضا اي دار نشر بطبع مجموعة قصصية له، لأن قصصه لاتنطوي على اضافة لهذا الفن، وان نشر بعضها في الصحف اليومية كان لغرض اكمال الصفحة من قبل المحرر! او هذا ما قاله له احد الناشرين من دون مراعاة لمشاعره .. حاول ان يطبع مجموعته على حسابه الخاص، لكن التكاليف وقفت بوجهه وظل يؤجل هذا المشروع باستمرار، اذ لابد له من ان يكون ثملا في الليل ليتجاوز احباطات النهار، حتى سرقه الزمن ومن ثم صار يزهد في موضوعة المجموعة القصصية وفي كتابة القصة أصلا .. حاول أحد أصدقائه ان يشجعه بعد ان رآه يذبل سريعا، قائلا؛ لدي يقين انك الآن قادر على جعل هذه الفكرة قصة مميزة، وكان هذا على خلفية حوار بينهما في الحانة، لكنه ظل على موقفه، لقد طلّق القصة ولم يعد الأمر يهمه.
حين يخلو مع نفسه يقف امام الكتب المنضودة في غرفته الصغيرة والموزعة بين رفوف خشبية متهرئة، او فوق الثلاجة العتيقة، واخرى تحت السرير وبعضها شبه مبعثر، فيما تستقر قرب رأسه رزمة من صحف مصفرّة علاها الغبار، تحتضن قصصه المنشورة والموزعة بين سني عمره او من عشرينياته وصولا الى سبعينه التي يكاد يلامسها .. وحين يفتح احدى الصحف ويقرأ قصة كتبت له قبل ثلاثين او اربعين سنة، يستعيد معها ذكريات تلك المرحلة ويستحضر صور الاصدقاء ومناكفاتهم له، حين كان تحت سطوة حلمه العذب، بأن يكون قاصا .. اصدقاء له بعضهم غادر الدنيا وبعضهم الآخر هاجر باتجاه اصقاع الارض البعيدة وانقطعت عنه اخبارهم وبعضهم انتقلوا الى مدن اخرى او انشغلوا في حيواتهم الخاصة بعيدا عن الأدب واستهلكتهم الحياة الزوجية، لكن ذاكرته تحتفظ بوجوههم النضرة،
يحفظ اصواتهم وقهقهاتهم ومرحهم وتفاصيل كثيرة عبأتها الأيام والسنون بداخله حتى غدا عبارة عن كيس ذاكرة .. ابتسم مع نفسه وراح يتمتم بهدوء ... سأكتب هذه الرحلة، لأستعيد بها ومن خلالها تلك الايام .. بحلوها ومرها .. سأستعيد اصدقائي الموزعين بين المقابر والمنافي .. اريد ان استعيد عمري الضائع واسبح مع خيالي بين الاصدقاء لاستجمع اطيافهم .. اريد ان أتمتع!!
شعر بسعادة وحيوية وهو يكتب عن تلك الايام، وكان في تجواله مع اصدقائه يعيد بناء الحانات القديمة التي اختفت وكذلك يستعيد المعارض الفنية والملاعب الرياضية التي كانوا يحضرون المباريات فيها وهم ممتلئون حماسة وسرورا، ثم راح يصحبهم الى حيث السفرات الجميلة والعبث الذي يطلقون له العنان غير آبهين بما يسمعون من الناس .. لقد اغرقته تلك التفاصيل في جو من السعادة وصار ينادم الورق كل يوم ليكتب شيئا جديدا ليتمتع .. ليتمتع فقط .. وكان يأمل ان يقرأ الأحياء من الأصدقاء تلك الذكريات ليكون هذا بمثابة عزاء لفقداناته الكثيرة وأهمها سني عمره التي تبعثرت مثلما تبعثر الأصدقاء والأحبة وتركوه شبه حطام يعزّي النفس في حث الذكريات.
حين اكمل كتابة تلك السيرة، وبعد ان استعاد من خلالها حيويته النفسية، خطر بباله ان ينشرها في صحيفة محلية مغمورة اسمها (الوعد)، لأنه يعرف تماما موقف الصحف الكبيرة منه ومن قصصه وكيف كان يواجه بالصد حتى اعتراه اليأس من امكانية النشر فيها .. سلّم المخطوطة واتفق مع رئيس التحرير على نشرها في حلقات ومجانا طبعا، كدأب الصحيفة التي كانت تنشر له قصصه بعد ان تعتذر عنها الصحف الاخرى.
في احلام ليله التي كثيرا ما تتحول الى كوابيس، يلتقي الكثير من الاصدقاء، ويعود الى ايام بعيدة يقلّب معهم ساعاتها وهو وسط حلمه العذب، قبل ان توقظه آلام في المعدة او الرأس او يشعر بضيق في التنفس ويعود خائبا من تلك الرحلة يجول بنظره بين اكداس الكتب من حوله ويحاصره صمت الحيطان .. لكنه شعر في ليلته هذه انه يحلق مع الاصدقاء في الفضاء البعيد، وها هم يرون انفسهم في عبث جنوني، كانوا اشبه بعصافير وهو يتوسطهم .. جرجره الأصدقاء الى الارض فيما كان هو يرغب في البقاء محلقا، فاشتبكت الايدي وراحوا يتقلبون بمرح في الفضاء حتى هبطوا جميعا .. اخذ بعضهم يتأمل في البعض الآخر .. كانوا شيوخا ووجوههم مملوءة بالتجاعيد، ساد الصمت للحظات قبل ان ينفجروا بالبكاء ويحتضنوا بعضهم .. وحين هدأ النشيج ، التفت هو وأمسك بحزمة من ورق ناصع البياض، واطلقها للأعلى فكانوا جميعا مرة اخرى في الفضاء، اشبه بدمى تحلق بين الغمام الابيض وتمارس المرح من جديد ...
تأخر الوقت عليه وهو لم يزل نائما بعد سهرة خمرية كالعادة، لكن رنين الهاتف قربه قطع سلسلة احلامه .. وبين الحلم واليقظة، كان على الطرف الآخر صوت صاحب احدى دور النشر الكبيرة؛ .. استاذ، لطفا هل بالإمكان ان تكون ضيفنا اليوم، نريد ان نتفاهم معك بشأن طبع مذكراتك الرائعة التي تابعناها من خلال صحيفة (الوعد) في كتاب يصدر عن دارنا.. ننتظرك لنوقع العقد، وستكون حقوقك المالية مناسبة لهذه السيرة التي باتت حديث الشارع .. لاتنس اننا سنشارك في خمسة معارض قادمة هذا العام ونريد ان يكون الكتاب ضمن معروضاتنا .. وسنبدأ بالترويج له بعد اتمام العقد!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...