تفكيك الذاكرة والهوية في رواية "ظلّ الدرفش"

تفكيك الذاكرة والهوية في رواية "ظلّ الدرفش"
أحمد رجب شلتوت
تعلن رواية "ظلّ الدرفش" للروائية اللبنانية "مريم هرموش" وعيها بعجز اللغة عن الإحاطة بالتجربة، وبأن ما يُروى ليس سوى محاولة لقول ما استعصى على القول: "أن أقول ما لم يُقَل، وأن أسمّي ما لم يُسمَّ"، بهذا المعنى، لا تقدّم الرواية حكاية مكتملة، بقدر اهتمامها بتجسيد الفقد، وما يخلّفه العنف والاقتلاع داخل الوعي الفردي، حيث تصبح الذاكرة هي مركز الثقل السردي.
بين الوجود والدم
يمثل عنوان الرواية "ظلّ الدرفش" بنية دلالية مكثفة تختزن الرؤية الجمالية والفكرية للنص بأكمله، فالدرفش، في سياقاته الصوفية والتاريخية، ليس مجرد راية أو علامة، وإنما هو رمز لهوية جمعية، ولانتماء يمنح حامله نوعًا من اليقين، غير أن الرواية تختار ظله، أي ما تبقّى منه بعد الغياب، الظل، هنا، ليس حضورًا ناقصًا فحسب، ولكن صيغة وجود بديلة. إنه أثر الشيء بعد انحساره، وذاكرته بعد انكساره، وصورته الباهتة حين يستحيل استعادته كاملًا. بهذا المعنى، يعلن العنوان منذ البداية أن الرواية تكتب عن الفقد، وعما تبقى من اليقين.
وهكذا يتحوّل الظل في سياق الرواية إلى استعارة للهوية المكسورة؛ هو ليس غيابًا تامًا، لكنه ليس حضورًا مطمئنًا أيضًا. إنه حالة وسطى، معلّقة بين الوجود والعدم، وهي الحالة نفسها التي تعيشها الشخصيات، وبالتالي نقرأ العنوان باعتباره اختيارًا معرفيًا، يحدّد طبيعة السرد منذ البداية، ويكتسب العنوان بعده التأويلي الأوضح في العبارة التي يمكن اعتبارها خلاصة رمزية للرواية، وهي "الدرفش لا يموت، بل ينام في ظله من ضلّ الطريق"،في هذا القول، يتحوّل إلى ذاكرة نائمة، وإلى معنى مؤجَّل، لا يُستعاد إلا في هيئة ظلّ. أما من "ضلّ الطريق" فلا يجد يقينًا يهديه، بل ظلًا يحتمي به مؤقتًا. وهنا تتبدّى رؤية الرواية للعلاقة بين الإنسان والمعنى، لم يعد المعنى قادرًا على الهداية، لكنه لا يختفي تمامًا؛ يتحوّل إلى أثر هشّ، وإلى مساحة انتظار. كما ينسحب هذا التصوّر على بنية السرد نفسها؛ فالرواية لا تقدّم حكاية مكتملة، بل شذرات، ولا تقدّم ذاكرة واضحة، بل ظلال ذاكرة. وكأن العنوان لا يسمّي الموضوع فقط، بل يسمّي طريقة الكتابة، كتابة في الظل، وبه، وعنه.
ومن جهة أخرى، يمكن قراءة العنوان بوصفه نقدًا ضمنيًا للسرديات الكبرى، سواء كانت أيديولوجية أو تاريخية، فالدرفش، بوصفه رمزًا جامعًا، لم يعد فاعلًا في الحاضر، ولم يبقَ منه سوى صورته المتآكلة في الوعي. وهنا تنحاز الرواية بوضوح إلى الفرد، إلى تجربته الجزئية، وإلى ذاكرته المنكسرة، في مواجهة الرموز الكلية التي فقدت قدرتها على التمثيل.
البنية السردية والوعي المأزوم
لا تقوم البنية السردية في الرواية على الحكاية المتتابعة، بقدر ما تعتمد على تفكيك الزمن بوصفه عنصرًا فاقدًا للاستقرار، فالرواية لا تفترض زمنًا خطيًا يمكن الوثوق به، وإنما تتعامل مع الزمن باعتباره تجربة ذاتية، متقطعة، تتداخل فيها لحظات الماضي بالحاضر دون مقدمات سردية واضحة، هذا التفكك الزمني هو انعكاس مباشر لوعي مأزوم فقد قدرته على التنظيم والترتيب. فالشخصيات تتذكر الماضي بوصفه شظايا تتدفق فجأة، وتفرض حضورها على اللحظة الراهنة. لذلك، يبدو السرد وكأنه يتحرك داخل دائرة، ، حيث تتكرر الأسئلة، وتعود المشاهد نفسها بأشكال مختلفة.
يتجلى هذا الاضطراب في الإدراك الزمني والمكاني في لحظات فقدان الاتجاه، كما في المقطع الدال
"فقدتُ إحساسي بالاتجاه كما يفقد الغريق وعيه بين موجتين. لم أعد متأكدًا من اسمي، ولا إن كنتُ قد اجتزتُ الحدود فعلًا، أم أنني أدور في دائرة داخل وهمي".
هنا لا ينهار الإحساس بالمكان فحسب، بل ينهار الإحساس بالذات نفسها. فالحدود لم تعد جغرافية فقط، بل نفسية ووجودية، ويغدو العبور احتمالًا ذهنيًا لا واقعة مؤكدة. ومن ثم، يصبح التشظي السردي ضروريا، لأن التجربة ذاتها غير قابلة للحكي المتماسك.
كما تعتمد الرواية على المقاطع القصيرة المتجاورة، التي تسعى إلى الإمساك بلحظة شعورية مكثفة، فتتجاور كلوحة الموزاييك لتشكّل نسيجًا واحدًا تحكمه ثيمة الفقد. هذا التقطيع يتجاوز التفكيك الشكلي إلى تمثيل تجربة نفسية لا تحتمل الاسترسال أو السرد المطوّل، فتغدو الكتابة نفسها فعل مقاومة للمحو. هذا البناء يفرض على القارئ أن يكون شريكًا في إنتاج المعنى، وأن يعيد تركيب السرد من فراغاته، وهو ما ينسجم مع رؤية الرواية للذاكرة بوصفها غير مكتملة بطبيعتها.
انكسار البطولة
تتحرك الشخصيات خارج منطق البطولة السردية، فلا نجد شخصيات مبادرة، ولا ذواتًا قادرة على تغيير مسار الأحداث. على العكس، تتشكّل الشخصيات بوصفها نتيجة لما جرى، وليست صانعة له، إنها ذوات تتلقى الصدمة، وتعيش آثارها الطويلة، دون ادعاء القدرة على تجاوزها، يتبدّى هذا التحول بوضوح في تمثيل الموت، الذي لا يُقدَّم كحدث نهائي، بل كقوة ممتدة تعيد تشكيل العلاقات والذوات.
في قول الساردة:
"نادر مات، لكنّه لم يمت وحده، شيء في أبي انطفأ معه، وشيءٌ مني صار يختبئ منذ ذلك اليوم"،
نلاحظ أن الموت لا يُنهي حضور الشخص، ولكن يعيد توزيعه داخل الآخرين، في هيئة انطفاء، أو خوف، أو انسحاب داخلي، هكذاتُبنى الشخصية هنا الأثر النفسي وليس من خلال الفعل الخارجي. فالاختباء الذي تشير إليه الساردة يمثل استجابة داخلية غير مرئية، تلازم الشخصية وتحدد علاقتها بالعالم.
ويبلغ هذا المنحى ذروته في لحظات الانكشاف القصوى، حيث تسقط كل الأقنعة، كما في مشهد القارب، "في ذلك القارب، كان كل شيء مكشوفًا. لا مسافة للاختباء. هشاشتنا انكشفت أمام أنفسنا قبل أن يراها الآخرون"، يعتمد هذا المشهد على التعرّي النفسي. فالهشاشة هنا ليست ضعفًا طارئًا، ولكنها حقيقة وجودية، لا يمكن إنكارها أو تجاوزها، لذلك يحدث الانكشاف أولًا أمام الذات، قبل أن يلحظه الآخر، بما يشير إلى أن الصراع الأعمق هو صراع داخلي، فالموت هنا يمتدّ أثره إلى الآخرين، ليصيب البنية النفسية للأسرة والذات معًا، كما تكشف الرواية عن هشاشة الشخصيات في لحظات الانكشاف التام، حيث تنتفي أي إمكانية للتماسك، في هذا السياق تتجنّب الكاتبة تقديم تفسير نفسي مباشر لهذه الحالات، وتترك الشخصية تتشكّل عبر اللغة، والصمت، والتردّد، بما يحفظ لها إنسانيتها وتعقيدها، ويمنع اختزالها في نموذج أو رمز.
الذاكرة كجرح مفتوح
تمثل الذاكرة في "ظلّ الدرفش" جرحًا مفتوحًا يستعيد ألمه مع كل محاولة للتذكّر. فالذاكرة هنا، تجربة معيشة، تُثقل الحاضر، تتضح هذه الرؤية في العلاقة بين الذاكرة والمكان، حيث تفقد الأمكنة قدرتها على منح الشعور بالألفة، وتتحول إلى شواهد على الغياب،"كل شيء مات بعدها، وكأن للأماكن روحًا تنطفئ بغياب من نحب"،هكذا ينطفئ بدوره، ويصير جزءًا من تجربة الحداد.
كما ترتبط الذاكرة في الرواية بالصمت، وبالعجز عن البوح الكامل، في عالم تحكمه قاعدة غير مكتوبة، وكما تقول الرواية: "كأن القاعدة هنا هي ألا تسأل، ولا تجيب". يمثل هذا الصمت أحد أشكال الذاكرة المكبوتة، حيث يُستبدل القول بالإيماء، والتصريح بالتلميح.
واللافت أن الرواية لا تحسم موقفها من الذاكرة؛ فهي تترك الشخصيات معلّقة بين بينالتذكّر والنسيان بما يعكس تعقيد التجربة الإنسانية في مواجهة الفقد، في حالة توتر دائم، حيث لا توجد إجابة مطمئنة، ولا طريق آمن.
وفي المحصّلة، لا تنشغل رواية "ظلّ الدرفش" باستعادة يقينٍ مفقود ولا بتجسيد بطولةٍ متخيَّلة، ولكن تتمسك بما يظلّ باقيا بعد الكارثة، الأثر، والارتجاف، وتدعونا إلى أن نُنقذ ما يمكن إنقاذه من المعنى عبر أثر خافت، دقيق، وصادق حتى وإن كان محض ظل لكنه يكفي كي يدلّ على ما كان، ويؤجّل الغياب ولو قليلا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...