حين أغمضت سعاد حسني عينيها للمرة الأخيرة،
ارتجّ نهداها ككوكبين يبحثان عن مدار.
في تمام الغياب،
بينما كان القمر يبتلع نصفه فوق سطح عمارة لاظوغلي،
جلستُ على عتبة المرايا
أعدّ الصور التي لم تُلتقط لها وهي تضحك
بين سطرين من أغنية.
كانت ترتدي الفستان الأبيض،
الذي يشفّ عن قلبها،
ولا يُخفي شيئًا من يديها
إلا تلك البقعة الصغيرة في منتصف المعصم،
حيث تتجمع الأسرار كبركةٍ ساكنة
تنعكس عليها صورة رجل
ينزف من عينيه دمًا شفافًا.
سعاد لم تكن امرأة عادية،
كانت اختراعًا قديماً
من زمنٍ كان الله فيه يكتب أولى قصائده
عن العيون التي تفضح الملائكة
وتُسقطهم في عشقٍ لا يُغتفر.
عيناها؟
فتحة غائرة في جدار الجاذبية،
طفولة مشبوهة،
مؤامرة ناعمة بين الكحل والدهشة.
كأن إبليس خلط فيها الحنان بالاحتراق
وأطلقها على هذا العالم من ضلعه المعطوب.
كانت تمشي كأنّها شائعة،
قدماها لا تطآن الأرض،
بل تفكّكان أزرارها سرًّا
وتعيدان تركيبها في خيال كل مراهق
بلّل أحلامه تحت غطاء الكتمان.
شفاهها؟
هندسة سريّة لشهوة
تختبئ في نوتة موسيقية ضائعة،
نسيها موسيقارٌ مات واقفًا
بين أغنيتين لسيد درويش
وصورة لبيرم التونسي وهو يبكي.
كانت تشرب القهوة من فنجان مكسور
وتترك النصف الآخر لنا، نقلبه،
نبحث في بقايا البن
عن قُبلةٍ كانت تطفو على طرف شفتها اليسرى
كلما ضحكت فجأةً من كلمة تافهة
قالها عاشقٌ ميت في هيئة ممثل صاعد.
في إحدى الليالي،
نامت على سرير من المطر:
تحتها إسطنبول،
فوقها بيروت، وفي قلبها القاهرة.
المدن كانت تحترق،
والنهدان يتنفّسان كطفلين يتيمين
يرتعشان على إيقاع أغنية عن الحب المستحيل.
وحين انكسر ظلّها في المصعد،
وارتطم رأسها بشرفةٍ باردة،
لم تنكسر سعاد. بل تكاثرت.
خرج منها ألف جسد،
كلّ جسد يحمل نصف عين،
ويدًا ترسم فوق خدّ العالم علامة استفهامٍ
منكّهة بالياسمين والعطر الرخيص.
وفي اللحظة التي صعدت فيها
كغيمةٍ خائنة إلى ما فوق السحاب،
كان الرب يشاهد فيلماً قديماً بالأبيض والأسود،
وكان الملاك جبرائيل
يُدوّن رقصةً لها في دفتره السري
بعنوان:
كيف تُخلّف امرأةٌ واحدة كل هذه الفوضى في قلب السماء؟
كانت تمشي كأنها خلل جميل في قوانين الفيزياء،
كأن الأرض وُضعت تحت قدميها
لتتدلّى منها المدن كأجراس صغيرة
على خصرها المائل بخبث،
يشبه نكتة كتبها صلاح جاهين
ونسي أن يضحك.
سعاد؟ آهٍ من سعاد.
هي ليست امرأة، بل اختراع شهوي
نتج عن خطأ في تركيب القصيدة.
الوردة التي لم يقصّها الله من الحديقة،
بل خبّأها في جيب قميصه ثم نسيها،
ففاحت في القاهرة.
كانت إذا أغمضت عينيها، تثاءب العالم.
وإذا فتحتهما، نهض البحر من نومه
كطفلٍ سمع اسمه لأول مرة من فم أمه.
وكانت تعرف.
تعرف أن عينيها ليستا للزينة،
بل لحرق الحروب.
تعرف أن شفتيها قبران مفتوحان
لرسائل لا يجرؤ رجال هذا الكوكب على إرسالها.
وكان صلاح جاهين
يتسكّع خلفها كطفلٍ في حارة المقطم،
يحمل في جيبه رباعية لا تليق إلا بها:
أنا قلبي كان شباك، وسعاد وقفت فيه...
ثم مزّق الورقة وبكى على قهوة ريش.
كانت تقول: عايزة أعيش!
فترتجف الأشجار في الزمالك،
وتسقط الوردة من فم تمثال نهضة مصر،
وينكسر التمثال، لا لأن سعاد صاحت،
بل لأن العالم كله لم يكن يعرف كيف يرد عليها.
نهداها؟
هما السطران اللذان لم يكتبهما صلاح جاهين
خشية أن يُحبسه الرب بتهمة الإفصاح.
طفلان يلعبان تحت ثوبٍ مشمس،
يركلان حلمات الذاكرة
ويصرخان: نحن هنا! في زمنٍ لا يستحق سوى الصراخ.
وفي لحظة موتها، لم تمت.
بل تمدّدت فوق سطح القمر
كشالٍ حريري نسيه شاعر مكسور
على كتف الليل.
لم تسقط من البلكونة،
بل قفزت من فوق اللغة وسقطت في قلب الرب.
وفي تلك اللحظة،
سألها ملاكٌ مبتدئ: من أنتِ؟
فقالت: أنا سعاد،
الخطأ الذي أحبّه الله،
وأخفاه عن آدم.
ارتجّ نهداها ككوكبين يبحثان عن مدار.
في تمام الغياب،
بينما كان القمر يبتلع نصفه فوق سطح عمارة لاظوغلي،
جلستُ على عتبة المرايا
أعدّ الصور التي لم تُلتقط لها وهي تضحك
بين سطرين من أغنية.
كانت ترتدي الفستان الأبيض،
الذي يشفّ عن قلبها،
ولا يُخفي شيئًا من يديها
إلا تلك البقعة الصغيرة في منتصف المعصم،
حيث تتجمع الأسرار كبركةٍ ساكنة
تنعكس عليها صورة رجل
ينزف من عينيه دمًا شفافًا.
سعاد لم تكن امرأة عادية،
كانت اختراعًا قديماً
من زمنٍ كان الله فيه يكتب أولى قصائده
عن العيون التي تفضح الملائكة
وتُسقطهم في عشقٍ لا يُغتفر.
عيناها؟
فتحة غائرة في جدار الجاذبية،
طفولة مشبوهة،
مؤامرة ناعمة بين الكحل والدهشة.
كأن إبليس خلط فيها الحنان بالاحتراق
وأطلقها على هذا العالم من ضلعه المعطوب.
كانت تمشي كأنّها شائعة،
قدماها لا تطآن الأرض،
بل تفكّكان أزرارها سرًّا
وتعيدان تركيبها في خيال كل مراهق
بلّل أحلامه تحت غطاء الكتمان.
شفاهها؟
هندسة سريّة لشهوة
تختبئ في نوتة موسيقية ضائعة،
نسيها موسيقارٌ مات واقفًا
بين أغنيتين لسيد درويش
وصورة لبيرم التونسي وهو يبكي.
كانت تشرب القهوة من فنجان مكسور
وتترك النصف الآخر لنا، نقلبه،
نبحث في بقايا البن
عن قُبلةٍ كانت تطفو على طرف شفتها اليسرى
كلما ضحكت فجأةً من كلمة تافهة
قالها عاشقٌ ميت في هيئة ممثل صاعد.
في إحدى الليالي،
نامت على سرير من المطر:
تحتها إسطنبول،
فوقها بيروت، وفي قلبها القاهرة.
المدن كانت تحترق،
والنهدان يتنفّسان كطفلين يتيمين
يرتعشان على إيقاع أغنية عن الحب المستحيل.
وحين انكسر ظلّها في المصعد،
وارتطم رأسها بشرفةٍ باردة،
لم تنكسر سعاد. بل تكاثرت.
خرج منها ألف جسد،
كلّ جسد يحمل نصف عين،
ويدًا ترسم فوق خدّ العالم علامة استفهامٍ
منكّهة بالياسمين والعطر الرخيص.
وفي اللحظة التي صعدت فيها
كغيمةٍ خائنة إلى ما فوق السحاب،
كان الرب يشاهد فيلماً قديماً بالأبيض والأسود،
وكان الملاك جبرائيل
يُدوّن رقصةً لها في دفتره السري
بعنوان:
كيف تُخلّف امرأةٌ واحدة كل هذه الفوضى في قلب السماء؟
كانت تمشي كأنها خلل جميل في قوانين الفيزياء،
كأن الأرض وُضعت تحت قدميها
لتتدلّى منها المدن كأجراس صغيرة
على خصرها المائل بخبث،
يشبه نكتة كتبها صلاح جاهين
ونسي أن يضحك.
سعاد؟ آهٍ من سعاد.
هي ليست امرأة، بل اختراع شهوي
نتج عن خطأ في تركيب القصيدة.
الوردة التي لم يقصّها الله من الحديقة،
بل خبّأها في جيب قميصه ثم نسيها،
ففاحت في القاهرة.
كانت إذا أغمضت عينيها، تثاءب العالم.
وإذا فتحتهما، نهض البحر من نومه
كطفلٍ سمع اسمه لأول مرة من فم أمه.
وكانت تعرف.
تعرف أن عينيها ليستا للزينة،
بل لحرق الحروب.
تعرف أن شفتيها قبران مفتوحان
لرسائل لا يجرؤ رجال هذا الكوكب على إرسالها.
وكان صلاح جاهين
يتسكّع خلفها كطفلٍ في حارة المقطم،
يحمل في جيبه رباعية لا تليق إلا بها:
أنا قلبي كان شباك، وسعاد وقفت فيه...
ثم مزّق الورقة وبكى على قهوة ريش.
كانت تقول: عايزة أعيش!
فترتجف الأشجار في الزمالك،
وتسقط الوردة من فم تمثال نهضة مصر،
وينكسر التمثال، لا لأن سعاد صاحت،
بل لأن العالم كله لم يكن يعرف كيف يرد عليها.
نهداها؟
هما السطران اللذان لم يكتبهما صلاح جاهين
خشية أن يُحبسه الرب بتهمة الإفصاح.
طفلان يلعبان تحت ثوبٍ مشمس،
يركلان حلمات الذاكرة
ويصرخان: نحن هنا! في زمنٍ لا يستحق سوى الصراخ.
وفي لحظة موتها، لم تمت.
بل تمدّدت فوق سطح القمر
كشالٍ حريري نسيه شاعر مكسور
على كتف الليل.
لم تسقط من البلكونة،
بل قفزت من فوق اللغة وسقطت في قلب الرب.
وفي تلك اللحظة،
سألها ملاكٌ مبتدئ: من أنتِ؟
فقالت: أنا سعاد،
الخطأ الذي أحبّه الله،
وأخفاه عن آدم.