هدى حجاجي - ظل امرأة في باريس... الجزء الحادي والثلاثون: شمسٌ تخرج من رماد الليل

الجزء الحادي والثلاثون: شمسٌ تخرج من رماد الليل




قضيتُ ليلتي بين أكوام اللحظات المتناثرة في أرجاء ذاكرتي، أقلبها واحدةً تلو الأخرى كما يقلب المنفيّ رسائله القديمة في محطة انتظار مهجورة. كنت أبحث فيها عن شيءٍ يشبهني، عن أثرٍ لامرأةٍ عرفتها يومًا ثم ضاعت بين المنعطفات، وعن قلبٍ ظنّ أنه نجا من الحنين، فإذا به يعود إليه كلما أوهم نفسه بالخلاص.

كانت ليلةً ثقيلة كأنها خُلقت من بقايا الغيوم الحزينة. تدلّت ساعاتها فوق صدري مثل أجراسٍ صدئة، وكلما مرّت دقيقة أحسست بثقل عمرٍ كامل يعبر روحي. لم أنم إلا قليلًا، ولم يكن النوم سوى ممرٍ ضيق بين حلمٍ يلوّح من بعيد وذكرى ترفض أن تموت.

جلستُ قرب النافذة أراقب باريس وهي تغرق في صمتها الليلي. الشوارع التي كانت تضج بالحياة بدت وكأنها تتأمل وحدتها هي الأخرى. الأضواء المرتجفة على الأرصفة الرطبة كانت تشبه أرواحًا صغيرة تبحث عن دفءٍ لا تجده. أما السماء فبدت بعيدة إلى حدٍّ مؤلم، كأنها تعرف أسرار العاشقين جميعًا، لكنها تأبى أن تمنحهم أجوبة.

في تلك الليلة لم أفكر في المستقبل، ولم أعد إلى الماضي كما كنت أفعل دائمًا. بقيت معلقة بينهما، في منطقةٍ غامضة لا تنتمي إلى شيء. هناك فقط أدركت أن الإنسان لا يتعب من الخسارات بقدر ما يتعب من حملها طويلًا.

تذكرتُ وجوهًا عبرت حياتي ثم اختفت. تذكرتُ الرسائل التي لم أرسلها، والكلمات التي احتفظت بها خوفًا من أن تأتي متأخرة. تذكرتُ كم مرة ظننت أنني وصلت إلى نهاية الطريق، لأكتشف أن الطريق يبدأ من جديد بصورة أخرى.

وحين اقترب الفجر، أحسست بشيءٍ غريب يتسلل إلى داخلي. لم يكن فرحًا بالمعنى المعتاد، ولم يكن راحةً كاملة، بل كان أشبه بمصالحة هادئة بيني وبين نفسي. كأن الليل، رغم قسوته، كان يغسل روحي من تعبٍ قديم تراكم فيها عبر السنوات.

عندها فهمت أن بعض الليالي لا تأتي لتمنحنا النوم، بل لتعيد ترتيب الفوضى التي تسكننا. وأن بعض الأحزان لا تزورنا كي تهزمنا، بل لتكشف لنا ما تبقى فينا من قوة.

وحين ظهرت أول خيوط الشمس خلف المباني العتيقة، شعرت أن الضوء لا يشرق في السماء وحدها، بل في داخلي أيضًا. كانت الشمس تصعد ببطء، بينما كانت روحي تنهض معها من تحت أنقاض ليلة طويلة.

ابتسمتُ دون سببٍ واضح. ربما لأنني نجوت من معركةٍ لم يرها أحد. وربما لأنني أدركت أخيرًا أن الانتصارات الحقيقية لا تحدث في الميادين، بل في تلك الزوايا المعتمة من النفس، حين يواجه الإنسان ضعفه ثم يخرج منه أكثر هدوءًا وأشد يقينًا.

استقبلتُ النهار بحرارة المنتصرين الذين لا يرفعون راياتهم فوق الأسوار، بل يخفون انتصاراتهم في أعماق قلوبهم. وكنت أعلم، وأنا أفتح نافذتي للشمس، أن شيئًا ما قد تغير في داخلي.

لم يعد الليل خصمي.

لقد صار جزءًا من الطريق الذي قادني إلى الضوء.

بقلم الروائية المصرية ھدى حجاجي أحمد




تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...