في المخيم، لم تكن الخيام تفصل بين الناس، بل تجمعهم أكثر مما ينبغي. كان الصوت يعبر القماش الرقيق كما يعبر الهواء، حتى غدت أسرار البيوت مشاعًا، وصار العطاس في أول المخيم يستحق "يرحمكم الله" من آخره.
جلس أبو العبد أمام خيمته إلى جوار صديقه أبي سالم، يحاولان سرقة دقائق قليلة من حديث الرجال. وبينهما جلس حمزة، ابن الثانية عشرة، بثبات من يظن أنه عضو أصيل في مجلس الكبار.
قال أبو سالم ضاحكًا: "للخيمة ميزة واحدة... إذا عطس واحد في أول المخيم، ردّ عليه الذي في آخره."
ابتسم أبو العبد، ثم تنهد وقال: "صرنا نستحي أن نتبادل مع زوجاتنا كلمة إضافية. لا كلمة ولا حركة إلا وصارت حديث الجيران."
رفع حمزة رأسه ببراءة وسأل: "ليش يعني؟"
تبادل الرجلان نظرة سريعة، ثم قال أبو العبد: "يا حمزة، روح جيب لنا شربة ماء."
لكن الولد كان مستعدًا لكل محاولة. أجاب فورًا: "البرميل ناشف... شفته من الصبح."
حاول أبو سالم بدوره: "طيب روح عند أبو جهاد."
ابتسم حمزة وقال بثقة: "رحت أنا وابنه نعبي مي... رجعنا والجالون فاضي. حتى الجالون زعل."
ضحك الرجلان رغم خيبة المحاولة.
قال أبو العبد: "طيب شوف أمك بدها إشي من السوق."
هزّ حمزة رأسه: "سألتها... قالت كل شي عنا، وما بدنا أي أغراض."
مرة أخرى فشلت الخطة.
حاول أبو سالم أن يعود إلى أصل الحديث، فقال: "الواحد يا أبو العبد... لازم يكون له خصوصية مع أم العيال."
التفت حمزة إليه وسأله بفضول: "شو يعني خصوصية؟"
تلعثم أبو العبد قليلًا، ثم قال: "يعني... يقعدوا الكبار لحالهم شوي."
ابتسم الولد وقال ببساطة: "اقعدوا... أنا ما عندي مانع."
وتعالت الضحكات.
قال أبو سالم: "يا ابني، ساعات الزلمة بحب يحكي مع مرته."
فأجاب حمزة بجدية لا تخلو من الطرافة: "احكوا... والله ما بقاطع."
ولم يبقَ أمام أبي العبد إلا الرشوة الأخيرة. أخرج شيكلًا وقال: "خذ... اشتري لك أي إشي."
نظر إليه حمزة مستغربًا: "شيكل؟! بدك التاجر يضحك عليّ؟"
فضحك الجميع من جديد.
وحين اقترح أبو سالم أن يذهب ليلعب مع الأولاد، جاء الرد أسرع مما توقع: "كلهم قاعدين عند خيامهم... بيسمعوا حديث أهلهم."
ساد صمت قصير، ثم قال أبو العبد: "زمان كانوا يقولوا: الحيطان إلها آذان."
ابتسم أبو سالم ابتسامة ممزوجة بالمرارة: "أما اليوم... فلا حيطان ولا آذان. الخيمة كلها أذن."
عندها نظر حمزة إليهما وقال: "يعني من أول القعدة بتحاولوا تبعتوني... عشان تحكوا أسرار؟"
أنكر أبو العبد سريعًا، لكن الولد أكمل: "طيب ليش كل شوي بتتذكروا المي، والسوق، وأبو جهاد، وبتعطوني شيكل؟"
ضحك أبو سالم وقال: "لأنك... لِزقة."
ابتسم حمزة وقال كأنه يلخص حكاية المخيم كلها: "وأنا شو أعمل؟ الخيمة غرفة وحدة. إذا طلعت برا بسمعكم... وإذا قعدت جوا بشوفكم."
صمت الرجلان. لم يعودا يجدان جوابًا.
تطلعا إلى الخيمة الصغيرة التي لم تعد بيتًا بقدر ما أصبحت شاهدًا على حياة ضاقت حتى فقدت أبسط تفاصيلها.
قال أبو العبد بصوت خافت: "والله المشكلة مش في الولد."
وأضاف أبو سالم: "المشكلة إن شعبًا كاملًا... سُرقت منه أبسط خصوصياته."
ظل حمزة واقفًا ينظر إليهما، ثم سأل بعفوية:
"يعني... أقعد؟"
نظر الرجلان إليه، وانفجرا ضاحكين، وقالا بصوت واحد:
"اقعد يا لِزقة."
وضاعت الضحكة في أرجاء المخيم، لكنها تركت خلفها حقيقة موجعة: حين تضيق الحياة إلى مساحة خيمة، لا تضيع الجدران وحدها، بل تضيع معها مساحات الصمت، والخصوصية، وأشياء صغيرة لا يشعر بقيمتها إلا من فقدها.
تمت..
جلس أبو العبد أمام خيمته إلى جوار صديقه أبي سالم، يحاولان سرقة دقائق قليلة من حديث الرجال. وبينهما جلس حمزة، ابن الثانية عشرة، بثبات من يظن أنه عضو أصيل في مجلس الكبار.
قال أبو سالم ضاحكًا: "للخيمة ميزة واحدة... إذا عطس واحد في أول المخيم، ردّ عليه الذي في آخره."
ابتسم أبو العبد، ثم تنهد وقال: "صرنا نستحي أن نتبادل مع زوجاتنا كلمة إضافية. لا كلمة ولا حركة إلا وصارت حديث الجيران."
رفع حمزة رأسه ببراءة وسأل: "ليش يعني؟"
تبادل الرجلان نظرة سريعة، ثم قال أبو العبد: "يا حمزة، روح جيب لنا شربة ماء."
لكن الولد كان مستعدًا لكل محاولة. أجاب فورًا: "البرميل ناشف... شفته من الصبح."
حاول أبو سالم بدوره: "طيب روح عند أبو جهاد."
ابتسم حمزة وقال بثقة: "رحت أنا وابنه نعبي مي... رجعنا والجالون فاضي. حتى الجالون زعل."
ضحك الرجلان رغم خيبة المحاولة.
قال أبو العبد: "طيب شوف أمك بدها إشي من السوق."
هزّ حمزة رأسه: "سألتها... قالت كل شي عنا، وما بدنا أي أغراض."
مرة أخرى فشلت الخطة.
حاول أبو سالم أن يعود إلى أصل الحديث، فقال: "الواحد يا أبو العبد... لازم يكون له خصوصية مع أم العيال."
التفت حمزة إليه وسأله بفضول: "شو يعني خصوصية؟"
تلعثم أبو العبد قليلًا، ثم قال: "يعني... يقعدوا الكبار لحالهم شوي."
ابتسم الولد وقال ببساطة: "اقعدوا... أنا ما عندي مانع."
وتعالت الضحكات.
قال أبو سالم: "يا ابني، ساعات الزلمة بحب يحكي مع مرته."
فأجاب حمزة بجدية لا تخلو من الطرافة: "احكوا... والله ما بقاطع."
ولم يبقَ أمام أبي العبد إلا الرشوة الأخيرة. أخرج شيكلًا وقال: "خذ... اشتري لك أي إشي."
نظر إليه حمزة مستغربًا: "شيكل؟! بدك التاجر يضحك عليّ؟"
فضحك الجميع من جديد.
وحين اقترح أبو سالم أن يذهب ليلعب مع الأولاد، جاء الرد أسرع مما توقع: "كلهم قاعدين عند خيامهم... بيسمعوا حديث أهلهم."
ساد صمت قصير، ثم قال أبو العبد: "زمان كانوا يقولوا: الحيطان إلها آذان."
ابتسم أبو سالم ابتسامة ممزوجة بالمرارة: "أما اليوم... فلا حيطان ولا آذان. الخيمة كلها أذن."
عندها نظر حمزة إليهما وقال: "يعني من أول القعدة بتحاولوا تبعتوني... عشان تحكوا أسرار؟"
أنكر أبو العبد سريعًا، لكن الولد أكمل: "طيب ليش كل شوي بتتذكروا المي، والسوق، وأبو جهاد، وبتعطوني شيكل؟"
ضحك أبو سالم وقال: "لأنك... لِزقة."
ابتسم حمزة وقال كأنه يلخص حكاية المخيم كلها: "وأنا شو أعمل؟ الخيمة غرفة وحدة. إذا طلعت برا بسمعكم... وإذا قعدت جوا بشوفكم."
صمت الرجلان. لم يعودا يجدان جوابًا.
تطلعا إلى الخيمة الصغيرة التي لم تعد بيتًا بقدر ما أصبحت شاهدًا على حياة ضاقت حتى فقدت أبسط تفاصيلها.
قال أبو العبد بصوت خافت: "والله المشكلة مش في الولد."
وأضاف أبو سالم: "المشكلة إن شعبًا كاملًا... سُرقت منه أبسط خصوصياته."
ظل حمزة واقفًا ينظر إليهما، ثم سأل بعفوية:
"يعني... أقعد؟"
نظر الرجلان إليه، وانفجرا ضاحكين، وقالا بصوت واحد:
"اقعد يا لِزقة."
وضاعت الضحكة في أرجاء المخيم، لكنها تركت خلفها حقيقة موجعة: حين تضيق الحياة إلى مساحة خيمة، لا تضيع الجدران وحدها، بل تضيع معها مساحات الصمت، والخصوصية، وأشياء صغيرة لا يشعر بقيمتها إلا من فقدها.
تمت..