لوّحَ "المعلم" بسكينهِ الحادة يمنةً ويسرة، طالعَ من حوله بتجاهل من تحتِ جفنين مُتهدّلين. على المقعد المقابل؛ جلس عجوز لا يكف عن الشكوى بصوتٍ معتل، تُنبئ نبرته الحادة عن قلقهِ كمن تَحرقهُ نار الانتظار. في المقابل، ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي شابٍ صغير، ابتلع ريقه وكأنه يسمع ما توحي به نفس العجوز، ثم عاد ثانيةً يطالع هاتفه في فضول..
ظلَّ وجه المعلم على جموده كأنه وجه تمثال؛ ضرب بيده ضربات متتالية فوق فخذٍ سمين، شُبِّح في خُطاف حديدي تدلَّى من السقف. تجشَّأ بقوة دون أن يعير أحداً التفاتة، وشرعَ من فوره في تقطيع اللحم وفرمه، يدندن بتشنجٍ لحناً ركيكاً. مصمص العجوز شفتيه تذمراً قبل أن يخرج مسبحته "الكوك"، وأخذ يكرُّ حباتها بكبرياءٍ فارغ، يختلس بين الحين والآخر نظرات حذرة ناحية المعلم، بينما يواصل الفتى ألعابه بانتشاء..
في تلك الأثناء، دُفِعَ الباب؛ لتدخل سيدة شابة فائقة الجمال، يضيء وجهها طيف من ابتسام. اهتز لها كيان العجوز لحظة نظرت إليه، فانتزع نفسه من براثن الشقاء، وسريعاً عقد ذراعيه على صدره بعد أن أعاد مسبحته إلى جيبه، وصوب نحوها عينيه بنهمٍ. كان عطرها قد اقتحم المكان بأريجٍ أخاذ، داعب بقوة أنوف الزبائن وغطى على "زفارة" المحل.انفجر المعلم بصوتٍ صاخب مُرحِّباً، وتحرَّك ناحيتها على الفور، ووشوشة الأمل تتبدَّى على سحنته التي انفكَّت تجاعيدها عن ضحكةٍ مُجلجلة، ليقول بصوتٍ هامس ملهوف: "اتفضلي يا ست الكل، طلباتك أوامر". دارت الحسناء دورتها في المكان حتى استقر بصرها على قطعة "بتلو"، أشارت بيدها البضَّة قائلة بميوعة: "من هذه كيلو ونصف.. وحياتك".كاد الفرح أن يُخرج صاحبنا عن طوره وهو يطالع شفتيها الممتلئتين بإغراء، بدأ في تمزيق اللحم كضبعٍ عجوز، ملأ عينيه بوجهها الأبيض المستدير، وقد اهتز شاربه واختلج حاجباه ليقول: "خليها علينا المرة دي". كان العجوز قد بلغ به البؤس أقصاه، أحسَّ بالخيبة تملأ نفسه، فتململ يميناً وشمالاً، وتوبّخ نظراته الزائغة الجالسين الذين علقت نفوسهم بالفاتنة.
ظلَّ المعلم في مكانه باشّاً، وقد كان لا يعرف واسطةً تُقرِّبه لغرضه إلا سعى إليها. أخذت المرأة حاجتها وانصرفت، شيَّعها الحضور بابتهاجٍ حتى ابتلعها الفضاء، ليغرقوا ثانيةً في وجومهم. عاد المعلم أدراجه وقد لبس كآبته يمزقه اليأس، يردد بصوتٍ مرتعش: "امرأة محترمة، بنت ناس، تسكن العمارة المقابلة للمحل منذ شهرين".هبَّ العجوز من سباتهِ بعد أن أذعن كارهاً، وأجاب وكأنه يلتمس مخرجا من هذا الوقار: "لقد تأخرت يا معلم". ردَّ الرجل بهزةٍ خفيفة من رأسه وقد خبا نور عينيه، قبل أن يدلف إلى المحل صبيان صغيران، قالا في نَفَسٍ واحد: "ماما تستعجل اللحم المفروم يا عمو".كانت طلائع الليل تزحف محتدَّة، قطع الشاب عنه حبل الصمت، حرك رأسه مكتفياً بالابتسام وغادر المحل. أما العجوز فقد ذهب عنه الروع، وندت عنه ضحكة ساخرة، حاول الكلام لكن خذله صوته، فمشى بتثاقل يمرر بصره على وجه صاحبه قائلاً بعينٍ دامعة: "هذه مهزلة!".لاطف المعلم الصغيرين، وبصوتٍ ممزوج بالحنان هتف: "سلامي لماما، قولا لها الحساب وصل". ومن بعدها، أدار مؤشر الراديو على محطة الأغاني، يردد كلمات أغنية عاطفية.
ظلَّ وجه المعلم على جموده كأنه وجه تمثال؛ ضرب بيده ضربات متتالية فوق فخذٍ سمين، شُبِّح في خُطاف حديدي تدلَّى من السقف. تجشَّأ بقوة دون أن يعير أحداً التفاتة، وشرعَ من فوره في تقطيع اللحم وفرمه، يدندن بتشنجٍ لحناً ركيكاً. مصمص العجوز شفتيه تذمراً قبل أن يخرج مسبحته "الكوك"، وأخذ يكرُّ حباتها بكبرياءٍ فارغ، يختلس بين الحين والآخر نظرات حذرة ناحية المعلم، بينما يواصل الفتى ألعابه بانتشاء..
في تلك الأثناء، دُفِعَ الباب؛ لتدخل سيدة شابة فائقة الجمال، يضيء وجهها طيف من ابتسام. اهتز لها كيان العجوز لحظة نظرت إليه، فانتزع نفسه من براثن الشقاء، وسريعاً عقد ذراعيه على صدره بعد أن أعاد مسبحته إلى جيبه، وصوب نحوها عينيه بنهمٍ. كان عطرها قد اقتحم المكان بأريجٍ أخاذ، داعب بقوة أنوف الزبائن وغطى على "زفارة" المحل.انفجر المعلم بصوتٍ صاخب مُرحِّباً، وتحرَّك ناحيتها على الفور، ووشوشة الأمل تتبدَّى على سحنته التي انفكَّت تجاعيدها عن ضحكةٍ مُجلجلة، ليقول بصوتٍ هامس ملهوف: "اتفضلي يا ست الكل، طلباتك أوامر". دارت الحسناء دورتها في المكان حتى استقر بصرها على قطعة "بتلو"، أشارت بيدها البضَّة قائلة بميوعة: "من هذه كيلو ونصف.. وحياتك".كاد الفرح أن يُخرج صاحبنا عن طوره وهو يطالع شفتيها الممتلئتين بإغراء، بدأ في تمزيق اللحم كضبعٍ عجوز، ملأ عينيه بوجهها الأبيض المستدير، وقد اهتز شاربه واختلج حاجباه ليقول: "خليها علينا المرة دي". كان العجوز قد بلغ به البؤس أقصاه، أحسَّ بالخيبة تملأ نفسه، فتململ يميناً وشمالاً، وتوبّخ نظراته الزائغة الجالسين الذين علقت نفوسهم بالفاتنة.
ظلَّ المعلم في مكانه باشّاً، وقد كان لا يعرف واسطةً تُقرِّبه لغرضه إلا سعى إليها. أخذت المرأة حاجتها وانصرفت، شيَّعها الحضور بابتهاجٍ حتى ابتلعها الفضاء، ليغرقوا ثانيةً في وجومهم. عاد المعلم أدراجه وقد لبس كآبته يمزقه اليأس، يردد بصوتٍ مرتعش: "امرأة محترمة، بنت ناس، تسكن العمارة المقابلة للمحل منذ شهرين".هبَّ العجوز من سباتهِ بعد أن أذعن كارهاً، وأجاب وكأنه يلتمس مخرجا من هذا الوقار: "لقد تأخرت يا معلم". ردَّ الرجل بهزةٍ خفيفة من رأسه وقد خبا نور عينيه، قبل أن يدلف إلى المحل صبيان صغيران، قالا في نَفَسٍ واحد: "ماما تستعجل اللحم المفروم يا عمو".كانت طلائع الليل تزحف محتدَّة، قطع الشاب عنه حبل الصمت، حرك رأسه مكتفياً بالابتسام وغادر المحل. أما العجوز فقد ذهب عنه الروع، وندت عنه ضحكة ساخرة، حاول الكلام لكن خذله صوته، فمشى بتثاقل يمرر بصره على وجه صاحبه قائلاً بعينٍ دامعة: "هذه مهزلة!".لاطف المعلم الصغيرين، وبصوتٍ ممزوج بالحنان هتف: "سلامي لماما، قولا لها الحساب وصل". ومن بعدها، أدار مؤشر الراديو على محطة الأغاني، يردد كلمات أغنية عاطفية.