كان اهتمامي، ولا يزال، بالغباء في صدارة هواياتي قراءةً وكتابة كذلك.ففي الغباء، في الكثير مما قرأتُ، تبيّن لي أن هناك من يتَّصفون وحيث عشتُ وأعيش، بدرجة عالية من الذكاء والفطنة. وعليَّ أن أصحح حقيقة ذات صلة بالغباء، كامنة في النظرة الأحادية إليه.
هناك أشخاص ممَّن عرفتهم وأعرفهم، وممن تابعتُهم بأوساطهم الاجتماعية وهوياتهم المختلفة، وفي لغات مختلفة، يجسّدون مثل هذه العلامة الفارقة: الذكاء الحاد، ورغم ذلك فإنهم يعمدون إلى تصنُّع الغباء، أي يتغابون، وفي امتدادهم ثمة المتحامقون وليس الحمقى، لتحقيق غايات خاصة بهم، تتطلب الكثير من التروّي لمعرفة أبعادها.
تأكيداً على ما ابتدأت به، أشير إلى أنه جرّاء اهتمامي المذكور،تملَّكتني نفسياً فكرةُ أن أعيش تجربة من هذه التجارب، أمضيتُ معها بعض الوقت،وقد عرضتها على وجوهها لتكون متقنة، جديرة بأن تنسّبني إلى هؤلاء ممن يُعرَفون طبعاً بالغباء، وهم ليسوا كذلك حقيقة، كما ذكرتُ.
كان عليّ أن أمنح شكلي الذي يتوجب الظهور به اعتباراً، إلى جانب الحركات المطلوبة، والصوت والكلمات التي تفصح عن أنني من هذا العالَم الذي يحتل جانباً من حياتي البحثية، وفي مجتمعنا بالذات.
أعلمتُ من ألتقي بهم من أهل الحرْف أن لي وضعاً خاصاً لا أستطيع الخروج من البيت، وأنا أعتذر إليهم عن ذلك. حيث أطلقتُ سراح لحيتي بالقياس المدروس ، وأنا رهين بيتي هذا، وأنا أراقب كل تحول يطرأ على وجهي، إلى أن قدَّرتُ كما أدركت، أن ذلك يفي بالغرض، وأنا أستغربُ من مظهري الذي بدوتُ عليه في المرآة، مرتدياً لباساً بسيطاً غير الذي أُرى فيه .وقررت بدء خوض المغامرة.
لا أكثر من التجمعات في وسطنا، بغية الحصول على سلع غذائية مقننة، وقد اخترت أكثرها ضخامة وجلبة.كان هناك العديد من أصحابي ممن كنّا نلتقي دورياً، عرفتهم بوجوههم. وحشرت نفسيفي وسطهم، بحركات تثيرهم هم وآخرين، مستفيداً من خبرتي في هذا المجال.
دفعوني هنا وهناك، أسمعوني الكثير من الكلمات التي يُعرَف بها هؤلاء، أعني من يُسمّون بالأغبياء، من نوع، أحمق، غبي، تافه، طفيلي، أرعن، حشرة ...إلخ، حاولت ضبط نفسي لئلا يفتضح أمري، في البداية خاصة. يا لها من معاناة معاناة تعيشها وأنت لم تعتدها!
كنت أتجاهل عيون هؤلاء الذين أسمعوني كلماتهم النابية تلك، وأنا معروف في وسطي الثقافي بالاعتداد النفسي، والاقتصاد في الكلمات، والجدّية المبالَغ فيها أحياناً. كنت أحاول عدم التفكير في ما وراء نظراتهم، حفاظاً على الموقف الذي وضعتُني فيه .
أقولها ثانية، لا أستطيع وصْف الحالة النفسية التي عشتها، مثل من يشرف على الغرق، دون أن يصدر عنه أي صوت استغاثة، فنوع الماء والواقع في الماء هما أنا في الحالتين.
لقد خضتُ اختبار الموقف هذا بنجاح كما تصورتُ، حين دفْع بي إلى الأمام، لأحصل على ما أريد، لينتهوا من أمري، وعلامات الانزعاج بادية على وجوه البعض، إنما كان هناك آخرون، وهم يعيشون قلق الانتظار، والوقوف الرتيب على الدور، يتبادلون الضحكات عبّر تعليقات مركّزة علي، أو كنت سبباً لها ، وإشارات بالأيدي تتجه إلي وتتقابل في المحيط الذي كنت فيه، لاحظتها بنظرات متقطعة ، عابرة، كأنها لا تعنيني في شيء، بما أنني غبيُّ الموقف.
لم أصدّق أنني وصلت إلى البيت بالسلامة المرتقبة، بطريقة مشي طارئة علي، وأنا أتلفت كلما قطعت مسافة، هنا وهناك، لأتأكد من أن أحداً لا يتعقبني.
تنفستُ الصعداء، وتخلصت في الحال من كل ما يصلني بالوضع المستجد: أصبح وجهي حليقاً كسابق عهدي به، كذلك لباسي الجديد، وأنا أتفحصني كثيراً، حيث أقف أمام المرآة وأردد في نفسي: هل حقاً أنا هو نفسه من سيلتقي بأصحابه اليوم أو غداً، ليرى كيف سيكون استقبالهم له بعد هذا الغياب؟
هل حقاً أنني لم أنصب فخاً أوقعت نفسي بنفسي فيه؟
مساء، قرأت في إحدى تغريدات المجموعة التي أنضمُّ إليها الخبر التالي: لقد عشنا اليوم لحظة تاريخية نادرة في موقف غريب من نوعه مع صاحب قلم معروف معتد بنفسه كثيراً جداً في وسطنا، تصنَّع الغباء، لم نرد أن نكشف عنه، ونحن ننال منه بتعليقات لاذعة وهو يتقبلها إلى النهاية!