التقيت أبي في يناير الماضي، قبل نهاية معرض الكتاب عن العام الحالي. لم أكن رأيته إلّا وهو يغادرنا مع أقارب له إلى بلدتنا في الجنوب.
أذكر أنه لوّح لي مودعًا مبتسمًا في اقتضاب من أثر المرض. وقد هرولت خلف "الحنطور". جريت وراءه مسافة. الأرض تتسع بمرور الثواني بيني وبين العربة. يضيق صدري. تنقطع أنفاسي. شبح العربة يبتعد... يبتعد.
ثم الحصان صهل ورفع قائميه في الهواء، كأنما يضع حدًا لعبثي معه، كما أعلن أبي اعتراضه بأن عبس في وجهي وأشار بيده لي أن عُد.
أحسست أنه يكره وجودي، أسررتها في نفسي. لكن تبيّن أنه يخاف عليّ من عثرات الطريق.
لذلك عندما رأيته في الممر الفاصل بين القاعتين الأولى والثانية، تذكرت الواقعة القديمة، فأجفلت قليلًا، وأحجمت عن الاندفاع إلى حضنه.
أثار ذلك حفيظة ناشر أتخذه صاحبًا من سنوات، أشار لي أن أقترب، ثم وبّخني، قال:
-لم أعهد فيك جفوة مع الغريب، وهذا أبيك.
قلت:
-تركني في مهب الريح، لم ينهر الحصان، بل هدّأ من ثائرته، وتشاغل بالحديث مع أهله. ظللت خمسين عامًا وأنا أنتظر على الرصيف قبل الصلاة من كل جمعة، أرمق الأفق على أمل أن تعود العربة.
ظل أبي صامتًا، يحمل في يديه كيسًا شفافًا، لمحت عبره نسخًا من أعمالي القصصية. وقد لاحظ ذلك، رفع الكيس أمام عيني، قال مبتسمًا:
-أحب أن أقرأ لك، أتابعك على الدوام. ما جئت هذا العام إلى المعرض -وقد خشيت أن يفوتني الميعاد- إلّا لأرى آخر أعمالك.
ثم أثنى على بعضها، وتحفّظ على أخرى. ثم انطلق يناقشني في أسلوبي في السرد. ونبّه إلى خطورة ما تحمله بعض القصص من الغمز واللمز السياسي. تلفّت حوله وقال في وجل:
-نحن فوق نرتعب أيضًا مما تكتب. بل إن الخوف واحد هنا وهناك.
عاد سريعًا إلى نبرة مرحة، وقال:
-غير أن أسعار الكتب هذا العام فوق قدرة المواطن العادي. ثم ضحك أبي بشدة، حتى إنه مسح عينه قبل أن تسقط دمعة من اليمنى.
أبي وأنا والناشر نقف على هيئة مثلث، هما قاعدته، نكاد نسد الردهة القصيرة بين القاعتين، ولم نهتم -دون عمد- بهمهمة المارة من حولنا.
يمر الوقت، وأبي في شغل بالحديث مع "الحاج عليّ"، عن مشكلات النشر، وارتفاع أسعار الورق والأحبار، والتضييق على الكتّاب ودور النشر.
لقد تركاني وحدي، أشكّل على ضعفي رأس حربة وهمية. تغشى عينيّ أنوار أروقة المعرض. يصم أذنيّ ضجيج الروّاد. وأظن أني سمعت صهيلًا يأتي من قريب.
أذكر أنه لوّح لي مودعًا مبتسمًا في اقتضاب من أثر المرض. وقد هرولت خلف "الحنطور". جريت وراءه مسافة. الأرض تتسع بمرور الثواني بيني وبين العربة. يضيق صدري. تنقطع أنفاسي. شبح العربة يبتعد... يبتعد.
ثم الحصان صهل ورفع قائميه في الهواء، كأنما يضع حدًا لعبثي معه، كما أعلن أبي اعتراضه بأن عبس في وجهي وأشار بيده لي أن عُد.
أحسست أنه يكره وجودي، أسررتها في نفسي. لكن تبيّن أنه يخاف عليّ من عثرات الطريق.
لذلك عندما رأيته في الممر الفاصل بين القاعتين الأولى والثانية، تذكرت الواقعة القديمة، فأجفلت قليلًا، وأحجمت عن الاندفاع إلى حضنه.
أثار ذلك حفيظة ناشر أتخذه صاحبًا من سنوات، أشار لي أن أقترب، ثم وبّخني، قال:
-لم أعهد فيك جفوة مع الغريب، وهذا أبيك.
قلت:
-تركني في مهب الريح، لم ينهر الحصان، بل هدّأ من ثائرته، وتشاغل بالحديث مع أهله. ظللت خمسين عامًا وأنا أنتظر على الرصيف قبل الصلاة من كل جمعة، أرمق الأفق على أمل أن تعود العربة.
ظل أبي صامتًا، يحمل في يديه كيسًا شفافًا، لمحت عبره نسخًا من أعمالي القصصية. وقد لاحظ ذلك، رفع الكيس أمام عيني، قال مبتسمًا:
-أحب أن أقرأ لك، أتابعك على الدوام. ما جئت هذا العام إلى المعرض -وقد خشيت أن يفوتني الميعاد- إلّا لأرى آخر أعمالك.
ثم أثنى على بعضها، وتحفّظ على أخرى. ثم انطلق يناقشني في أسلوبي في السرد. ونبّه إلى خطورة ما تحمله بعض القصص من الغمز واللمز السياسي. تلفّت حوله وقال في وجل:
-نحن فوق نرتعب أيضًا مما تكتب. بل إن الخوف واحد هنا وهناك.
عاد سريعًا إلى نبرة مرحة، وقال:
-غير أن أسعار الكتب هذا العام فوق قدرة المواطن العادي. ثم ضحك أبي بشدة، حتى إنه مسح عينه قبل أن تسقط دمعة من اليمنى.
أبي وأنا والناشر نقف على هيئة مثلث، هما قاعدته، نكاد نسد الردهة القصيرة بين القاعتين، ولم نهتم -دون عمد- بهمهمة المارة من حولنا.
يمر الوقت، وأبي في شغل بالحديث مع "الحاج عليّ"، عن مشكلات النشر، وارتفاع أسعار الورق والأحبار، والتضييق على الكتّاب ودور النشر.
لقد تركاني وحدي، أشكّل على ضعفي رأس حربة وهمية. تغشى عينيّ أنوار أروقة المعرض. يصم أذنيّ ضجيج الروّاد. وأظن أني سمعت صهيلًا يأتي من قريب.