مقتطف ھدى حجاجي أحمد - ظلُّ امرأةٍ في باريس الجزء الخامس والثلاثون: البحر الذي يسكن النص

الجزء الخامس والثلاثون: البحر الذي يسكن النص



في تلك الليلة، لم تكن باريس تشبه نفسها. كان المطر يهطل على استحياء، كأنه يخشى إزعاج الحزن الجالس إلى جواري. أما أنا فكنت أجلس أمام الورقة البيضاء وأتأملها كما يتأمل الناجون البحر بعد الغرق. كلما حاولت أن أكتب عن شيءٍ آخر انتهيت إليك، وكلما حاولت الهروب منك داخل النص وجدتك جالسًا في منتصف السطر، تنظر إليّ بهدوء من يعرف أن الطرق كلها تؤدي إليه.

أيُّ بحرٍ هذا الذي يجعلني في لبِّ النص أغرق؟ وأيُّ روايةٍ تلك التي جعلت منك بطلًا لا يهاب العمق بينما كنتُ أنا أرتجف كلما اقتربت من شواطئك؟

كنت أظن أنني أعرف الناس جيدًا. تعلّمت وجوههم، وحفظت طباعهم، وعرفت كيف أميّز بين الصدق والادعاء، وبين من يبقى ومن يرحل. لكنني حين عرفتك اكتشفت أن بعض البشر لا يُقرأون كما تُقرأ الكتب، بل كما تُقرأ الخرائط القديمة؛ تحتاج أعمارًا كاملة لتفهم إشاراتها، وتحتاج قلبًا مثقلاً بالأسئلة كي يقترب من أسرارها.

بتُّ أعرفك من ندبةٍ تشبهك. من فاصلةٍ رسمتها ذات قلق على عنق جملةٍ لم تكتمل. أعرفك من ارتجافة الضوء على صوتك حين يخفت، ومن ذلك الصمت الذي لا يشبه الصمت، الصمت الممتلئ بالحكايات المؤجلة، بالكلمات التي لم تُقل، وبالاعترافات التي خافت من الخروج إلى الضوء.

أعرفك من الطريقة التي ينسحب بها العالم قليلًا حين تمرّ. كأن الأشياء تمنحك مساحة إضافية للعبور. كأن الهواء نفسه يعيد ترتيب أنفاسه في حضرتك. وأعرفك من ذلك الحزن الخفي الذي يسكن عينيك رغم محاولاتك الكثيرة لإخفائه. كنت أراه دائمًا. أراه وأصمت. لأن بعض الأحزان لا تحتمل الأسئلة.

الغريب أنني لم أحبك كما تحب النساء في الروايات. لم أركض خلفك، ولم أكتب اسمك على دفاتر العمر، ولم أنتظر مكالمةً عند منتصف الليل. كنت فقط أزداد معرفةً بك. والمعرفة أخطر من الحب أحيانًا. لأن الحب قد ينتهي، وقد يذبل، وقد يخونه الوقت. أما المعرفة فتبقى. تبقى كوشمٍ خفي في الروح، كلما مرّ العمر فوقه ازداد وضوحًا.

ولهذا كنت أخاف.

ليس منك.

بل من ذلك اليقين الذي كان يتسلل إليّ ببطء. يقين أن بعض الأشخاص يصبحون جزءًا من تكويننا النفسي دون أن نشعر. مثل رائحة البيت القديم. مثل صوت الأم في الصباح. مثل الأغنيات التي حفظناها في طفولتنا ولم نعد نذكر متى حفظناها. لا نفكر فيهم كل يوم، لكننا لا نستطيع اقتلاعهم من داخلنا مهما حاولنا.

وفي تلك الليلة تذكرت كم مرة ذبتُ لأجل الآخرين. كم مرة قدمتُ نفسي قربانًا للعلاقات. كم مرة ظننت أن المحبة تعني أن أتنازل أكثر، وأن أصبر أكثر، وأن أغفر أكثر، وأن أؤجل نفسي حتى لا يتأذى أحد. كنت أظن أن التضحية ستُكافأ يومًا، وأن القلوب التي منحتها كل شيء ستعرف قيمة ما أخذته.

لكن الحياة كانت أكثر قسوة من أوهامي.

في كل مرة كنت أخرج أقل مما دخلت. كأن السنوات كانت تقضم أجزاءً مني في الخفاء. حتى صرت حفنةً من بياضٍ منسيّ. كلما ذبتُ لأجل الآخرين تركوني على هيئة مرارة تسكن الحلق. مرارة لا تُبكي، ولا تُشفى، ولا تموت. فقط تبقى هناك، تذكّرنا بما كان.

لهذا لم أعد أخشى الوحشة.

فالوحشة ليست ذلك الوحش الذي كانوا يخوفوننا به في طفولتنا. بل غرفة صغيرة نتعلم فيها الإنصات إلى أصواتنا التي ضاعت وسط ضجيج الآخرين. نتعلم فيها كيف نجلس مع أنفسنا دون خوف، وكيف نسمع نبض قلوبنا بعدما أسكتتها مطالب العالم.

القلب حين يكثر فيه الملح يعتاد التصحر. يتوقف عن انتظار الغيوم. ويتعلم أن يُزهر بعيدًا عن المطر.

وأنا كنت أتعلم ذلك أخيرًا.

كنت أتعلم كيف أعيش دون انتظار. وكيف أحب دون امتلاك. وكيف أتذكر دون أن أنهار. وكيف أحمل خيبتي بيدٍ، وأكمل الطريق باليد الأخرى.

لكن رغم كل ما تعلمته، كنت ما أزال كلما مرت نسمة تحمل شيئًا منك ألتفت. وكلما عبر عطرٌ مألوف في شارعٍ مزدحم، شعرت أن قلبي يتعثر للحظة. وكلما سمعت ضحكة تشبه ظلك، عاد شيء قديم ليستيقظ في داخلي.

ثمة أشخاص لا يرحلون حين يغادرون.

يبقون.

ليس في الذاكرة فقط، بل في طريقة نظرنا إلى الأشياء. في الكلمات التي نختارها. في الأغنيات التي نتوقف عندها دون سبب. وفي الحزن الذي يزورنا فجأة ونحن نضحك.

كنت أعتقد أن الغياب مسألة جغرافيا، مجرد مسافات يمكن قياسها على الخرائط. ثم اكتشفت أن أخطر أنواع الغياب هو ذلك الذي يحدث بينما يبقى كل شيء في مكانه. البيوت موجودة. والشوارع موجودة. والوجوه موجودة. لكن الروح التي كانت تمنحها معناها اختفت. فيتحول العالم كله إلى نسخة باهتة من نفسه.

وفي باريس تعلمت شيئًا آخر.

تعلمت أن الليل لا يرحم الذين يفكرون كثيرًا.

كلما هدأت المدينة ارتفعت الأصوات في داخلي. أصوات الذكريات. أصوات الندم. أصوات الاحتمالات التي لم تحدث. كنت أتساءل أحيانًا: ماذا لو التقينا في زمنٍ آخر؟ ماذا لو لم نتأخر؟ ماذا لو لم يفسد الخوف أشياء كثيرة؟ ماذا لو امتلكنا شجاعة الاعتراف قبل أن يسبقنا العمر؟

لكن الحياة لا تعترف بـ"ماذا لو".

الحياة لا تراجع قراراتها.

ولا تعيد المشاهد الناقصة.

إنها تمضي فقط، وتتركنا وحدنا مع الأسئلة.

ومع ذلك لم أعد غاضبة.

ولم أعد حزينة كما كنت.

صار الحزن أكثر هدوءًا. كأنه استقر في مكانه أخيرًا. أصبح يشبه بحرًا بعيدًا أسمع هديره ولا أغرق فيه. وأصبحت أعرف أن بعض الأشخاص لم يُخلقوا ليبقوا معنا إلى النهاية، بل ليعبروا حياتنا ويتركوا أثرًا لا يزول. تمامًا كما يترك النهر أثره في الصخر. لا بضربة واحدة، بل بسنوات طويلة من المرور الصامت.

وأنت...

كنت أحد تلك الأنهار.

أما أنا، فما زلت تلك المرأة التي تجلس قرب نافذة باريس كل مساء. تكتب. لا لأنها تريد أن تتذكر، بل لأن الكتابة هي الطريقة الوحيدة التي تعرفها كي تحمل قلبها دون أن يسقط منها.

وحين أكتب عنك، لا أكتب رجلًا فقط.

أكتب مدينةً كاملة سكنتني ثم رحلت.

أكتب عمرًا كاملًا مرّ من هنا.

وأكتب تلك المرأة التي تعلمت متأخرة أن بعض البحار لا تُعبر، وبعض الحكايات لا تنتهي، وبعض الأشخاص لا يغادرون أبدًا... لأنهم ببساطة يتحولون إلى جزءٍ من النص، وجزءٍ من الروح، وجزءٍ من الصمت الذي يرافقنا حتى آخر الصفحة.

ظلُّ امرأةٍ في باريس

الجزء السادس والثلاثون: الذين يسكنوننا بعد الرحيل

ثمة أشخاص لا يرحلون حين يغادرون.

يبقون في أماكن لا تصل إليها الأقدام، ولا تراها العيون. يبقون في الطريقة التي ننظر بها إلى الأشياء، وفي الكلمات التي نختارها دون أن ندري لماذا اخترناها. يبقون في الأغنيات التي نتوقف عندها فجأة، وفي الشوارع التي نبطئ خطانا فيها دون سبب واضح، وفي ذلك الحزن الغامض الذي يزورنا ونحن نضحك، فيفسد على قلوبنا اكتمال الفرح.

كنت أعتقد يومًا أن الغياب مسألة جغرافيا. مجرد مسافات تفصل بين مكانين، وأن الذين يرحلون يبتعدون بقدر ما تبتعد القطارات عن محطاتها. لكنني اكتشفت متأخرة أن أخطر أنواع الغياب هو ذلك الذي يحدث بينما يبقى كل شيء في مكانه.

المدينة نفسها.

البيت نفسه.

النافذة نفسها.

وحتى الساعة المعلقة على الجدار ما زالت تواصل دورانها بالرتابة ذاتها.

لكن الروح التي كانت تمنح الأشياء معناها اختفت.

وحين تختفي الأرواح، تتحول الأشياء إلى هياكل صامتة. يصبح البيت مجرد جدران، والمدينة مجرد شوارع، والذكريات مجرد صورٍ فقدت دفئها.

في باريس تعلمت شيئًا آخر.

تعلمت أن الليل لا يرحم الذين يفكرون كثيرًا.

كلما هدأت المدينة، ونامت المقاهي، وانطفأت النوافذ البعيدة، استيقظت المدن التي أحملها في داخلي. ترتفع أصوات الذكريات كأنها خارجة من قاع بئرٍ قديم. أصوات ضحكاتٍ بعيدة، وخطواتٍ رحلت، وكلماتٍ قيلت مرة واحدة ثم بقي صداها يتردد أعوامًا كاملة.

وفي تلك الساعات الطويلة، كنت أجلس وحدي أمام النافذة، أحدق في الأضواء المرتجفة على صفحة السين، وأترك الأسئلة تعبرني.

ماذا لو التقينا في زمنٍ آخر؟

ماذا لو لم نتأخر؟

ماذا لو امتلكنا شجاعة الاعتراف قبل أن يسبقنا العمر؟

ماذا لو لم يفسد الخوف أشياء كثيرة كان يمكن أن تنجو؟

لكن الحياة لا تعترف بـ"ماذا لو".

الحياة لا تعود إلى الوراء لتصحح أخطاءها، ولا تمنحنا فرصة ثانية لنعيش المشهد ذاته بطريقة مختلفة. إنها تمضي فقط، كالنهر، حاملةً معها كل ما لم نُحسن الاحتفاظ به.

وتتركنا وحدنا مع الأسئلة.

وحدنا مع الاحتمالات التي لم تحدث.

وحدنا مع الأبواب التي لم نطرقها، والرسائل التي لم نرسلها، والكلمات التي بقينا نؤجلها حتى انتهى وقتها.

ورغم ذلك...

لم أعد غاضبة كما كنت.

ولم أعد أحمل ذلك الحزن الحاد الذي كان يمزقني كلما مر طيفك في ذاكرتي.

صار الحزن أكثر هدوءًا.

أكثر نضجًا.

كأنه استقر أخيرًا في مكانه الصحيح.

أصبح يشبه بحرًا بعيدًا أسمع هديره في الليالي الطويلة، لكنه لم يعد قادرًا على إغراقي.

أدركت أن بعض الأشخاص لا يأتون إلى حياتنا ليبقوا فيها إلى الأبد.

بعضهم يأتون ليتركوا أثرًا فقط.

ليغيروا شيئًا فينا ثم يمضوا.

تمامًا كما يترك النهر أثره في الصخر.

لا بضربة واحدة.

ولا بعاصفة مفاجئة.

بل بسنوات طويلة من المرور الصامت.

قطرة بعد قطرة.

حتى يتغير شكل الصخر كله دون أن يشعر.

وأنت...

كنت أحد تلك الأنهار.

مررت في حياتي بهدوء، لكنك غيّرت تضاريس روحي كلها.

وحين رحلت، لم تأخذك المسافة بعيدًا كما ظننت.

بل بقيت موزعًا في تفاصيل لا تُحصى.

في الكتب التي أحبها.

في الموسيقى التي أعود إليها حين أتعب.

في الصمت الذي يسبق الكتابة.

وفي الكلمات التي أبحث عنها فلا أجد سواك مختبئًا بينها.

أما أنا...

فما زلت تلك المرأة التي تجلس قرب نافذة باريس كل مساء.

تراقب المطر حين يهطل، وتراقب العمر حين يمر، وتكتب.

لا لأنها تريد أن تتذكر.

بل لأن الكتابة أصبحت الشكل الوحيد الذي تستطيع به أن تحمل قلبها دون أن يسقط منها.

أكتب لأجمع ما تبعثر.

أكتب لأمنح الغياب اسمًا.

أكتب لأقنع نفسي أن بعض الفقد يمكن احتماله إذا تحول إلى حكاية.

وفي كل مرة أكتبك، أشعر أنني لا أكتب رجلًا.

ولا أكتب حبًا قديمًا.

ولا أكتب ذكرى عابرة.

أشعر أنني أكتب عمرًا كاملًا مرّ من هنا...

وأكتب امرأةً ظنت يومًا أن الرحيل نهاية الحكاية، ثم اكتشفت بعد سنوات طويلة أن بعض البشر لا يسكنون ذاكرتنا فحسب، بل يسكنوننا نحن، ويواصلون العيش فينا حتى بعد أن يغيبوا عن العالم كله.
بقلم الكاتبة الروائية ھدى حجاجي أحمد
مصر
ظلُّ امرأةٍ في باريس

الجزء السادس والثلاثون: الذين يسكنوننا بعد الرحيل

ثمة أشخاص لا يرحلون حين يغادرون.

يبقون في أماكن لا تصل إليها الأقدام، ولا تراها العيون. يبقون في الطريقة التي ننظر بها إلى الأشياء، وفي الكلمات التي نختارها دون أن ندري لماذا اخترناها. يبقون في الأغنيات التي نتوقف عندها فجأة، وفي الشوارع التي نبطئ خطانا فيها دون سبب واضح، وفي ذلك الحزن الغامض الذي يزورنا ونحن نضحك، فيفسد على قلوبنا اكتمال الفرح.

كنت أعتقد يومًا أن الغياب مسألة جغرافيا. مجرد مسافات تفصل بين مكانين، وأن الذين يرحلون يبتعدون بقدر ما تبتعد القطارات عن محطاتها. لكنني اكتشفت متأخرة أن أخطر أنواع الغياب هو ذلك الذي يحدث بينما يبقى كل شيء في مكانه.

المدينة نفسها.

البيت نفسه.

النافذة نفسها.

وحتى الساعة المعلقة على الجدار ما زالت تواصل دورانها بالرتابة ذاتها.

لكن الروح التي كانت تمنح الأشياء معناها اختفت.

وحين تختفي الأرواح، تتحول الأشياء إلى هياكل صامتة. يصبح البيت مجرد جدران، والمدينة مجرد شوارع، والذكريات مجرد صورٍ فقدت دفئها.

في باريس تعلمت شيئًا آخر.

تعلمت أن الليل لا يرحم الذين يفكرون كثيرًا.

كلما هدأت المدينة، ونامت المقاهي، وانطفأت النوافذ البعيدة، استيقظت المدن التي أحملها في داخلي. ترتفع أصوات الذكريات كأنها خارجة من قاع بئرٍ قديم. أصوات ضحكاتٍ بعيدة، وخطواتٍ رحلت، وكلماتٍ قيلت مرة واحدة ثم بقي صداها يتردد أعوامًا كاملة.

وفي تلك الساعات الطويلة، كنت أجلس وحدي أمام النافذة، أحدق في الأضواء المرتجفة على صفحة السين، وأترك الأسئلة تعبرني.

ماذا لو التقينا في زمنٍ آخر؟

ماذا لو لم نتأخر؟

ماذا لو امتلكنا شجاعة الاعتراف قبل أن يسبقنا العمر؟

ماذا لو لم يفسد الخوف أشياء كثيرة كان يمكن أن تنجو؟

لكن الحياة لا تعترف بـ"ماذا لو".

الحياة لا تعود إلى الوراء لتصحح أخطاءها، ولا تمنحنا فرصة ثانية لنعيش المشهد ذاته بطريقة مختلفة. إنها تمضي فقط، كالنهر، حاملةً معها كل ما لم نُحسن الاحتفاظ به.

وتتركنا وحدنا مع الأسئلة.

وحدنا مع الاحتمالات التي لم تحدث.

وحدنا مع الأبواب التي لم نطرقها، والرسائل التي لم نرسلها، والكلمات التي بقينا نؤجلها حتى انتهى وقتها.

ورغم ذلك...

لم أعد غاضبة كما كنت.

ولم أعد أحمل ذلك الحزن الحاد الذي كان يمزقني كلما مر طيفك في ذاكرتي.

صار الحزن أكثر هدوءًا.

أكثر نضجًا.

كأنه استقر أخيرًا في مكانه الصحيح.

أصبح يشبه بحرًا بعيدًا أسمع هديره في الليالي الطويلة، لكنه لم يعد قادرًا على إغراقي.

أدركت أن بعض الأشخاص لا يأتون إلى حياتنا ليبقوا فيها إلى الأبد.

بعضهم يأتون ليتركوا أثرًا فقط.

ليغيروا شيئًا فينا ثم يمضوا.

تمامًا كما يترك النهر أثره في الصخر.

لا بضربة واحدة.

ولا بعاصفة مفاجئة.

بل بسنوات طويلة من المرور الصامت.

قطرة بعد قطرة.

حتى يتغير شكل الصخر كله دون أن يشعر.

وأنت...

كنت أحد تلك الأنهار.

مررت في حياتي بهدوء، لكنك غيّرت تضاريس روحي كلها.

وحين رحلت، لم تأخذك المسافة بعيدًا كما ظننت.

بل بقيت موزعًا في تفاصيل لا تُحصى.

في الكتب التي أحبها.

في الموسيقى التي أعود إليها حين أتعب.

في الصمت الذي يسبق الكتابة.

وفي الكلمات التي أبحث عنها فلا أجد سواك مختبئًا بينها.

أما أنا...

فما زلت تلك المرأة التي تجلس قرب نافذة باريس كل مساء.

تراقب المطر حين يهطل، وتراقب العمر حين يمر، وتكتب.

لا لأنها تريد أن تتذكر.

بل لأن الكتابة أصبحت الشكل الوحيد الذي تستطيع به أن تحمل قلبها دون أن يسقط منها.

أكتب لأجمع ما تبعثر.

أكتب لأمنح الغياب اسمًا.

أكتب لأقنع نفسي أن بعض الفقد يمكن احتماله إذا تحول إلى حكاية.

وفي كل مرة أكتبك، أشعر أنني لا أكتب رجلًا.

ولا أكتب حبًا قديمًا.

ولا أكتب ذكرى عابرة.

أشعر أنني أكتب عمرًا كاملًا مرّ من هنا...

وأكتب امرأةً ظنت يومًا أن الرحيل نهاية الحكاية، ثم اكتشفت بعد سنوات طويلة أن بعض البشر لا يسكنون ذاكرتنا فحسب، بل يسكنوننا نحن، ويواصلون العيش فينا حتى بعد أن يغيبوا عن العالم كله.

بقلم الكاتبة الروائية ھدى حجاجي أحمد
مصر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...