لم يكن يمر يومٌ في منزلنا دون عقد ما يشبه المجلس العرفي الذي تديره أمي الحاجة "غالية" التي تجلس وسط سيدات القرية في هيبة ووقار، تعطيهن النصائح بعقل وحكمة في أدق تفاصيل حياتهن، ثم يقبلن يدها وينصرفن بعد التعهد بتنفيذ التعليمات بحذافيرها.
ونادراً ما تغادر أي سيدة الدوار دون "أخذ الواجب" سواء كان إفطاراً أو غداءً.. صواني الطعام على مدار اليوم لا تنقطع وتحمل أشهى الأكلات بخلاف المشروبات الساخنة.
وما إن تنتهي الحاجة "غالية" من لقاءاتها اليومية ويكون غالباً بعد صلاة الظهر، تطلب من الخادمة فنجان قهوة لكي تستريح من عناء ثرثرة النساء.
وعندما كان يسافر والدي إلى مهمة عمل تمتد إلى عدة أسابيع، كانت تحل مكانه في حل مشاكل الرجال، فهي السيدة التي تحظى بتقدير جميع أهل القرية.
ولا أنسى عندما كنت طفلة صغيرة وتلصصت على صوت مرتفع من حجرة الضيوف.. عم منصور النجار يجلس حزيناً، وظل يشكو لأمي من مطالب زوجته وأولاده الخمسة التي ترهقه ولا يستطيع تلبيتها، فطالبته أمي بالوفاء بالتزاماته قدر المستطاع وألا يحمل هماً.
بأدب جم.. قال:
● اللي تؤمري بيه يا حاجة. ثم استدعت الخادمة وهمست في أذنها، وبعد دقائق جاءت بالبيض والدجاج والسمن، وطالبت أمي عم منصور أن يحمل هذه الأشياء لأسرته.
بعد ساعة استدعت الحاجة غالية زوجة عم منصور، وبعدما عنفتها، لقنتها درساً قاسياً في كيفية تحمل ظروف الزوج وأن تدير حياتها دون أعباء تثقل كاهله.
اعتذرت لأمي ووعدتها أن تغير معاملتها، وقبل انصرافها حملتها أمي أكثر مما حمله زوجها وهدايا لأبنائهم.
وفي جلسة سمر بعدما صرت شابة، حكت لي أمي كثيراً من المواقف الطريفة والصعبة التي واجهتها ووالدي، ولكن كان أكثرها حيرة وتعقيداً هو ما حدث لسنية بنت الحاجة عواطف جارتنا التي فوجئت بها تنخرط في بكاء هستيري وهي تكشف عن حملها سفاحاً بعد تورطها في علاقة غير شرعية مع الأسطى عبده المكوجي الذي وعدها بالزواج ولكن ضيق الحال يقف حاجزاً أمامهما.
وأوضحت أمي أن الموقف كان عصيباً ويفوق قدرتها، فكان لابد من الاستعانة بخبرة أبي، الذي أرسل على الفور لاستدعاء عبده المكوجي الذي اعترف بالفضيحة فصفعه على وجهه. قال والدي بحزم:
● كتب الكتاب بعد العشا، وأنا هتكفل بمصاريف الفرح. تهللت أسارير عبده المكوجي. وأضاف والدي:
● هتعيشوا في بلد تانية فترة لحد ما سنية تخلف وتبقوا ترجعوا.
ثم صرخ في وجهه:
● غور من وشي! وبالفعل تم عقد القران وبعدها بأيام سافرا إلى مدينة ساحلية وظلا فيها عامين، وعمل عبده في مغسلة لتنظيف وكي الملابس، لكن شاء القدر بأن يتوفى المولود. وبعد عودتهما إلى القرية عاشا حياة سعيدة، وأنجبا طفلين الأول أصبح طبيباً والثاني مرشداً سياحياً.
مات أبي وأمي، وأصر أشقائي على بيع الدوار، وفشلوا في إقناعي ببيع نصيبي من الميراث الذي كان قطعة أرض صغيرة عليها أطلال "المصطبة" التي كانت تجلس عليها أمي، وبينما كنتُ في زيارة لقريتنا وجلست دقائق على المصطبة التحف فيها بدفء أمي وحنان أبي.. فوجئت بصينية عليها طعام وشاي من البيت المواجه لمنزلنا.. شكرتهم على واجب الضيافة.. فقال رجل ينظر إليّ وعيناه تلمعان فرحاً:
● من بعد خير والدك والحاجة غالية يا بنت الأصول.. سألته عن اسمه فقال:
● أنا عمك الحاج عبده المكوجي.
غادة مأمون / مصر
ونادراً ما تغادر أي سيدة الدوار دون "أخذ الواجب" سواء كان إفطاراً أو غداءً.. صواني الطعام على مدار اليوم لا تنقطع وتحمل أشهى الأكلات بخلاف المشروبات الساخنة.
وما إن تنتهي الحاجة "غالية" من لقاءاتها اليومية ويكون غالباً بعد صلاة الظهر، تطلب من الخادمة فنجان قهوة لكي تستريح من عناء ثرثرة النساء.
وعندما كان يسافر والدي إلى مهمة عمل تمتد إلى عدة أسابيع، كانت تحل مكانه في حل مشاكل الرجال، فهي السيدة التي تحظى بتقدير جميع أهل القرية.
ولا أنسى عندما كنت طفلة صغيرة وتلصصت على صوت مرتفع من حجرة الضيوف.. عم منصور النجار يجلس حزيناً، وظل يشكو لأمي من مطالب زوجته وأولاده الخمسة التي ترهقه ولا يستطيع تلبيتها، فطالبته أمي بالوفاء بالتزاماته قدر المستطاع وألا يحمل هماً.
بأدب جم.. قال:
● اللي تؤمري بيه يا حاجة. ثم استدعت الخادمة وهمست في أذنها، وبعد دقائق جاءت بالبيض والدجاج والسمن، وطالبت أمي عم منصور أن يحمل هذه الأشياء لأسرته.
بعد ساعة استدعت الحاجة غالية زوجة عم منصور، وبعدما عنفتها، لقنتها درساً قاسياً في كيفية تحمل ظروف الزوج وأن تدير حياتها دون أعباء تثقل كاهله.
اعتذرت لأمي ووعدتها أن تغير معاملتها، وقبل انصرافها حملتها أمي أكثر مما حمله زوجها وهدايا لأبنائهم.
وفي جلسة سمر بعدما صرت شابة، حكت لي أمي كثيراً من المواقف الطريفة والصعبة التي واجهتها ووالدي، ولكن كان أكثرها حيرة وتعقيداً هو ما حدث لسنية بنت الحاجة عواطف جارتنا التي فوجئت بها تنخرط في بكاء هستيري وهي تكشف عن حملها سفاحاً بعد تورطها في علاقة غير شرعية مع الأسطى عبده المكوجي الذي وعدها بالزواج ولكن ضيق الحال يقف حاجزاً أمامهما.
وأوضحت أمي أن الموقف كان عصيباً ويفوق قدرتها، فكان لابد من الاستعانة بخبرة أبي، الذي أرسل على الفور لاستدعاء عبده المكوجي الذي اعترف بالفضيحة فصفعه على وجهه. قال والدي بحزم:
● كتب الكتاب بعد العشا، وأنا هتكفل بمصاريف الفرح. تهللت أسارير عبده المكوجي. وأضاف والدي:
● هتعيشوا في بلد تانية فترة لحد ما سنية تخلف وتبقوا ترجعوا.
ثم صرخ في وجهه:
● غور من وشي! وبالفعل تم عقد القران وبعدها بأيام سافرا إلى مدينة ساحلية وظلا فيها عامين، وعمل عبده في مغسلة لتنظيف وكي الملابس، لكن شاء القدر بأن يتوفى المولود. وبعد عودتهما إلى القرية عاشا حياة سعيدة، وأنجبا طفلين الأول أصبح طبيباً والثاني مرشداً سياحياً.
مات أبي وأمي، وأصر أشقائي على بيع الدوار، وفشلوا في إقناعي ببيع نصيبي من الميراث الذي كان قطعة أرض صغيرة عليها أطلال "المصطبة" التي كانت تجلس عليها أمي، وبينما كنتُ في زيارة لقريتنا وجلست دقائق على المصطبة التحف فيها بدفء أمي وحنان أبي.. فوجئت بصينية عليها طعام وشاي من البيت المواجه لمنزلنا.. شكرتهم على واجب الضيافة.. فقال رجل ينظر إليّ وعيناه تلمعان فرحاً:
● من بعد خير والدك والحاجة غالية يا بنت الأصول.. سألته عن اسمه فقال:
● أنا عمك الحاج عبده المكوجي.
غادة مأمون / مصر