إبراهيم محمود - شهرياريّات




استفاقت شهرزاد مع إشراقة الصباح الأولى. تنبَّه لها شهريار، فأنزل فيها توبيخاً وتقريعاً وهو يقول لها محتداً: إياك والإستيقاظ حتى غروب الشمس، بعدها مسموح لك. إنه شَرطي الذي يجب عليك التقيد به حرفياً.
***

حاولت شهرزاد أن تلتقط أنفاسها بعد سردها لقسم من حكايتها الليلية على مسامع شهريارها. مدت يدها إلى تفاحة وأخذت منها قضمة . استفزته بها، فصرخ في وجهها: سأعفو عنك هذه المرة. إذ يمنع تناول التفاح أمامي منعاً باتاً، ومن قَبلكن أنتن يا نسل حواء. هذه التفاحة كانت سبباً لطرد أبينا من الجنة، بخطيئة أمك حواء التي لا تُغتفَر.

***

اتكأت شهرزاد على مخدة بجوارها لتريح جسمها قليلاً، لكن إشارة من شهريار منعتها من ذلك، وهو ينبّهها ، بقوله: في حضرتي لا أحد يتكىء على مخدة مثلي أنا.

***

يقال أنه كثيراً ما كان شهريار يهمّ بوقف شهرزاد عن سرد حكايتها وذبحها كالبقية استجابة لرغبة ماضية لفيه، لكنه كان يحاول ضبط نفسه، وهو يقول: حينها ستصبح الحكاية ناقصة، ولن يعرفني الآخرون في جبروتي أو في شهرياريتي!

***

كانت شهرزاد غارقة في النوم، وقد تسلل نور الصباح إلى غرفة نومها. ظهر وجهها أكثر إشراقة من الخارج، لأول مرة يراها هكذا. ردد في نفسه: يا لجمالها! لكنه تراجع في الحال قائلاً: علي أن أكون حازماً كما كنت، ماذا سيقول الآخرون عني إذا تساهلت معها؟

***
أصدر شهريار أمراً بعدم الدخول عليه إلا في أوقات محدودة جداً لاستقبال رعيته. لقد استهواه جهاز الموبايل، واعتبره بهجة الخاطر ومتعة الناظر، مكلّفاً أقرب وزيره لتسيير أمور دولته.

***
كان الأخوان شهريار وشاه زمان يمضيان معاً ساعات طوالاً عبر جهاز الموبايل" صوت وصورة " وكلٌّ منهما يُسمِع الآخر ما يطربه، وهما يؤكدان أنه عجيبة العالم أجمع، ويثنيان على من صنعه.

***
بينما كانت شهرزاد تروّح عن نفسها عبر الموبايل الأحدث الذي وصلها ، رآها شهريار وهي تركّز بنظرها عليه، فما كان منه إلا أن نزع الجهاز من يدها، وهو يعنّفها، بقوله هذا إفساد لعقل المرأة وإنحلالها، في مملكتي للرجال وحدهم حق اقتنائه وبعيداً عن نسائهم .

***
بسبب الدعايات الكثيرة التي كانت تشاهدها شهرزاد، أعجبها بنطال جينز مزركش بأكثر من رقعة منفوشة ، فوق الركبتين وجوارهما، حيث تظهر جوانب من فخذيها.
ورغبت أن تفاجىء زوجها الملك العظيم شهريار بلباسها الجديد. سوى أنه ما أن وقعت عيناه عليها وهي تتزيا بذلك البنطال، توتر في الحال زاعماً أن هذا النوع من البناطيل يزيد في ضخامة المؤخرة ويوقظ الفتنة في العيون ثم النفوس .
***
طلب شهريار من رئيس ديوانه الخاص أن يأتي له بحبة " فياغرا " لكي يشعر بالانتشاء أكثر من ذي قبل. نصحه طبيبه أن أخْذ حبَّة دون إجراء فحص عام للجسم، قد يضر به كثيراً. لكن رغبته غلبته. لأيام معدودات ظل يتلوى من تأثيرها، وهو يحس أن عصا صلبة بين رجليه وهو يعجز عن إرجاعه إلى وضعه الطبيعي رخاوة.

***
طلب شهريار من شهرزاد أن تسرد على مسامعه حكايات عن عجائب التكنولوجيا اليوم، كالسفر بالطائرة من مكان إلى آخر. لكنها أعلمته بطريقتها أن ذلك يخل بمحتوى الحكايات كلها، وأن لا بد من زمن طويل وكاف ، لسرد حكايات من النوع المذكور.

***

قرر شهريار القيام برحلة استجمام إلى شاطىء البحر. فوجىء بأجسام شبه عارية مستلقية على الشاطىء تحت الشمس. استغرب وصاح لا بد أن هؤلاء قد قذفتهم أمواج البحر، وأنهم مصابون، وهم مستلقون على بطونهم أو ظهورهم بلا حراك. سوى أن أحد حاشيته قال له: كلا يا مولاي، إنهم يعرضون أجسامهم للشمس، فلم يستوعب كيف يمكن لكل منهم أن يظهر شبه عار مجاوراً للاخر دون أن يحصل أي شيء بينهما.

***
عندما وقعت عينا شهريار على أنجلينا جولي في مشهد سينمائي مغر ٍ معروض في التلفاز.. صاح بأعلى صوته وهو يشير إليها بسبابته: أريدها الليلة معي .
أعلمه مسئول العلاقات الخارجية أن ما رآه عبارة عن صورة ، وصاحبتها تبعد آلاف الأميال، وليس في مقدور أي كان مجرد الاقتراب منها، فكيف بلمسها.

***
خطر على بال شهريار أن يقوم بزيارة إلى دولة غربية، وحين وصل إلى هناك، حيث لم يكن يعرف لغتها، جيء له بمترجمة، فاستغرب وهي متبرجة أمامه، فسأل: أليس هناك رجل ليقوم بدور الترجمان؟ فردت عليه: وما الضير في أن تكون المترجمة امرأة؟ فأسمعَها صوته خافتاً: كنت أعتقد أن الرجل وحده يستطيع القيام بذلك.

***
رغب شهريار أن يرى أغرب ما تشتهر به هذه البلاد التي قام بزيارتها. الذين تولّوا مهمة رعايته، اصطحبوه إلى نادي العراة، وحين أدخلوه صعقه مشهد أجسام رجال ونساء عارية تماماً . فصرخ مرعوباً مما يرى، وهو يركض صوب الخارج مردداً وهو يقول: لا بد أن هؤلاء أنزل فيهم الله عقاباً خاصاً، لأنهم ارتكبوا أخطاء فاحشة جداً.

***
في فاصل استراحة سأل شهريار شهرزادَه: أسمع بكلمة " نسوية " أحياناً، ماذا تعني هذه؟ ردت عليه شهرزاد في الحال وهي تستقيم في جلستها: يعني أن تسرد أنت علي حكاية وأنا أسمعك، وترضيني بها طبعاً.
***
تضرع شهريار بالرجاء إلى خالقه وهو وحيد في غرفته المطلة على سهل فسيح، وهو يردد بعينين شبه دامعتين: أمِتْني يا إلهي، لم أعد أتحمل ما أرى ، أينما أتجه أسمع أصوات النساء أكثر من أصوات الرجال، وخروج النساء وحدهن. أمِتني وأنا شهريار " ألف ليلة وليلة ".
***

يقال أن شهريار قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة استدعى شهرزاد، وقال لها بصوت واهن: لقد غلبتِني بحكاياتك يا شهرزاد. فردت عليه شهرزاد: لكنني أسمعتك ما يرضيك لا ما يرضيني يا شهريار.

***
بينما كانت حاشية شهريار تقوم بالتحضير لأمور جنازته، كانت شهرزاد في مخدعها تتخيل لياليها التي قضتها معه، ومن ثم تنظر إلى أولادها الذكور الصغار وقد كبروا قليلاً، وهي تتساءل في سرها: كيف سيكونون عندما يكبرون، هل ستكون لكل منهم شهرزاده بالمقابل ، أم لن تكون هناك حكاية أخرى تضاف إلى حكايات ألف ليلة وليلة، وقد اكتمل نصابها؟

***
تذييل:
هناك كثيرون يستشهدون بقول لبورخيس الذي كتب بحثاً رائعاً عن " ألف ليلة وليلة " وهو أن هذه لا تنتهي، ومن يقرأها يموت. وهذا منطقي في الترتيب. إنما يُذكَر أنه كتب على هامش إحدى يوميات بهذا الصدد: لا أعني باللاتناهي ، المعنى الحرفي منه، إنما المجازي، أقصد بها أنها ستشغل كل من يقرأها ويسمع بها ما بقي الدهر، وسيسأل كل رجل عن نوع شهرياره داخله، وهكذا الحال بالنسبة إلى المرأة جهة شهرزاد !

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...