إبراهيم محمود - مدينة ريش الدجاج... قصة





المدينة التي أصبح الثعلبُ حاكمَها الجديد، استعدَّت لتلقّي تعليماته وتوجيهاته.
الثعلب الذي أصبح الحاكم الجديد لمدينة موغلة في القِدَم، أراد لها أن تكون مدينة منسوبة إليه.
الرعية في المدينة القديمة، انتظرت الخطاب التاريخي لحاكمها ، متلهفة إلى نوع الجديد الذي يقدّمه لها.
الخطاب التاريخي المتلفز بالصوت والصورة لجناب الثعلب حاكم المدينة الجديد، كان كل شيء موجزاً فيه، بعيداً عن التلميح، صريحاً، في جمل متسلسلة، مسموعة، وفي الساحة الكبرى المشهورة للمدينة.
شدد جناب الثعلب على وجوب الدخول في عهد جديد يجبُّ ما قبله، لتكون المدينة لها شهرتها، وما كان جديداً ومفاجئاً للكثيرين هو التالي:
وجوب التركيز على تربية الدواجن، بصورة خاصة، والابتعاد كلّياً عن تربية الغنم أو البقر، وأصدر أمراً بهذا الصدد، وهو أن على كل بيت، وبدءاً من قصر الثعلب نفسه، تخصيص ركن ملحق بالبيت أو داخله، لتربية الدواجن، منوّهاً إلى أن لحوم الدواجن شهية، صحية، لا تكلّف كثيراً" ثمة من أشار ، ولو في صمت، إلى أن جناب حاكمهم عندما كان يأتي على ذكر مناقب لحوم الدواجن وبيضها، يبطىء، وهو يزدرد ريقه "، ومنحها مساحة واسعة في مناهج التربية، وكل من يخالف التعليمات سيكون عرضة للعقاب. وتأكيداً على مدى تقديره للدواجن ومكانتها بالنسبة إليه، أفصح عن أنه لن تكون لمدينتهم علاقات مع الآخرين في الخارج، إلا من هذا المنطلق، حيث لن تتعامل مع حيوانات من نوع الأسد، الفهد، النمر، الوشق، الذئب، الضبع، ولا حتى القط البرّي، بزعم أنها مغرورة بنفسها، وأضرارها أكثر بكثير من منافعها، مسمّياً كلاً من ابن آوى والنمس، والظربان رموزاً في دولة مدينته في تمثيل أهم الوزارات، ومشيراً إلى أن القوة ليست بالحجم وإنما بالعطاء، وهو يثق بمن ذكَر.
أجهزة الإعلام بادرت على الفور، ومن خلال العاملين فيها، ومن سخّروا أنفسهم لهذا الغرض، والذين اعتبروها فرصتهم للظهور، وتسنمّ المناصب وحيازة المكاسب،وفي الواجهة، ظهر الشعراء والفنانون والكتبة الذين ينتظرون تحولاً جديداً من هذا القبيل، وهم يكيلون المديح لمثل هذه القرارات، راسمين بالصوت والصورة الغد المشرق لمدينتهم وشهرتها في العالم بزعامة جناب حاكمهم الثعلب العظيم..
هكذا احتلت صور الدواجن بهيئات كثيرة، ملوّنة وبراقة تلفت الأنظار، مواقعها الاعتبارية في الساحات العامة، في زوايا الحدائق، في مفارق طرق المدينة داخلاً وخارجاً،في المطاعم، وواجهة المؤسسات وحتى المحلات الخاصة، ونشر دعايات على وسائل التواصل الاجتماعي واليوتوبات خاصة، ترويجاً للدواجن، وترغيباً فيها، حيث تظهر صورة الثعلب رافعاً رأسه بشموخ، وذيله منشور خلفه، وفي عينيه تتألق صورة المدينة.
لهذا، حملت المدينة اسماً يتناسب والمرحلة الجديدة وهي مدينة ريش الدجاج، وبحروف كبيرة ونافرة.
وهكذا دخلت الرعية في عهدة حاكمها من خلال تكثيف الاهتمام بالدواجن،وتناول لحومها،وشرب مرقها، وتعليبها وتوزيعها في كل مكان، وحتى إلى الخارج تصديراً.
أصبحت الدواجن بالطريقة هذه، ومن خلال التنفيذ الحرفي لتعليمات جناب حاكم المدينة الثعلب الوقور، الغذاء النوعي لأهل المدينة، ورمزها جهة صنع ميداليات على وجه كل منها تأتي صورة جناب حاكمها الجديد، والوجه الآخر يحمل صورة مركَّبة لكل من الديك والدجاج متعانقين، وحتى عمْلتها شُرّفت بمثل هذه المكرمة .
لم يدم الوقت طويلاً، عندما استيقظت مدينة ريش الدجاج، مدينة جناب الحاكم الجديد، ذي الوبر الناعم، على أصوات ترددَ صداها عالياً، وتجاوزَ حدود المدينة نفسها، لكل من كوكأة الديك وقوقأة الدجاج، حيث فوجئت الرعية نفسها، مع إشراقة الصباح الباكر، وهي تكوكىء وتقوقىء، وقد غطى أجسامها بالكامل ريش كل من الديك والدجاج. حتى رؤوسها بدت في هيئة مطابقة لرأسيْ كلّ منهما.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...