إبراهيم محمود: وجهي- قصة





لطالما نفرتُ من وجهي، من لمسه،وحتى من رؤيته في المرآة. ليس لأنني كرهته في ذاته، وإنما لأن أبي، لا أدري منذ متى، كان يضغط براحة يده اليمني الضخمة والصلبة على مؤخرة رأسي، ويدفع بي صوب مرآة قديمة مكسورة إلى نصفين، وهو يقول: ألا ترى وجهك؟
في البداية كان يكرّر على مسامعي متهكماً وساخراً: ها قد نبت شعر ذقنك، ألم تعقل بعد؟
عبارة كان صداها يتردد حتى في منامي، بسبب تكرارها في حياتي اليومية، إلى درجة أنَّ فكرة تشكلتْ في ذهني وتجذرتْ فيها، وهي أن اللغة مكوَّنة من تلك الكلمات فقط.
عندما كبرت، وصار لدي شارب وذقن، لم تدعني عبارته وشأني، إنما : لقد أصبح لديك شارب ولحية، ولم تعقل بعد.
وحين غزا الشيب مفرقي، وتوغل الأبيض في الأسودَ مصدّعاً إياه في شاربي وذقني، بقي صدى عبارته أكثر حدة وإيلاماً من ذي قبل، كما تبينَ لي ذلك: شابَ شعرُك، شاربك وذقنك، ولم تعقل بعد.
لكم كان يرتكب الأخطاء مع الآخرين، ولا يعاين وجهه، وهو يمسّد على لحيته دائماً، ويمرّرها على وجهه دائماً. ذات مرة ، لا أدري كيف واجهته وأنا أقول له: هلّا نظرت إلى شيبتك ولو لمرة واحدة؟ فقد صوابه، وهو لم يدع كلمة نابية إلا وأمطرني بها.
عندما مات أبي هذا، اندفعت إلى غرفتي المعتمة، وأخرجت أدوات حلاقة، كنت قد اشتريتها من السوق، ولم أستعمل أيّاً منها، لا أدري، أخوفاً من أبي أم تجنباً للمشاكل وغيرها.. بلهفة، بدأتُ بقص شعر ذقني، وشاربي، وحين خفَّت، بدأت باستعمال الفرشاة ، وأنا لا أصدق متى سأرى وجهي. بينما في الجانب الآخر، كان هناك من يقوم بالتحضير لجنازة أبي.
يا الله، أيعقل أن هذا وجهي الذي لم أنظر فيه منذ عقود من السنين!
سرتُ في الجنازة، كما لو أنني غريب. هناك من لم يعرفني، لأنني لأول مرة أظهر حليقَ الذقن تماماً.
عندما تمَّ الدفن، وتقدم المشيّعون ليعزّوا أهله، طلبوني باسمي. أنكروا أنني هو ، نعم هو نفسه، ابنه الأكبر. لكنهم صدقوا تالياً من صوتي، وهم يستنكرون ما فعلته بنفسي.
في الليلة التالية على رحيل أبي الأبدي جاءني في المنام، ومعه تلك المرآة المكسورة، وهو يضغط برحة يده اليمنى على بصلتي السيسائية، مقرّباً وجهي من مرآته: أنت لم تعقل فحسب، إنما أنتَ عاص وعاق أيضاً.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...