سياسة الخنق الاقتصادي... أخطر أدوات الاحتلال لتغيير الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية

سياسة الخنق الاقتصادي... أخطر أدوات الاحتلال لتغيير الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

لم تعد الأزمة المالية التي تعيشها دولة فلسطين تحت الاحتلال أزمة رواتب أو نقص سيولة عابر، بل أصبحت عنواناً لسياسة إسرائيلية ممنهجة تقوم على الخنق الاقتصادي باعتباره أحد أهم أدوات الحرب الشاملة التي تستهدف تقويض مقومات الصمود الفلسطيني، ودفع المجتمع الفلسطيني نحو الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، تمهيداً لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية بما يخدم المشروع الاستيطاني.

وتأتي تصريحات مدير الاتصال الحكومي محمد أبو الرب لتؤكد حجم المأزق الذي تواجهه الحكومة الفلسطينية، حيث تعمل وزارة المالية في "حقل ألغام" في ظل احتجاز إسرائيل لأموال المقاصة، التي تمثل المصدر الرئيس للإيرادات العامة، وتراجع الدعم العربي والدولي، وارتفاع أعباء الدين العام. إلا أن هذه الأزمة لا يمكن قراءتها بمعزل عن الاستراتيجية الإسرائيلية التي تستخدم الاقتصاد كسلاح سياسي لإضعاف المؤسسات الفلسطينية وإفقادها القدرة على القيام بواجباتها.

فالاحتلال لا يكتفي بتوسيع الاستيطان وفرض الوقائع على الأرض، بل يعمل على تجفيف الموارد المالية الفلسطينية، وفرض قيود على الحركة والتجارة والاستثمار، والسيطرة على المياه والمعابر والأراضي، بما يؤدي إلى إنهاك الاقتصاد الوطني وإضعاف قدرة المواطنين على البقاء في أرضهم. وهي سياسة تندرج ضمن مشروع أوسع يهدف إلى تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي في الضفة الغربية، وخاصة في الأغوار وشمال الضفة ومحيط القدس.

إن خطورة الأزمة لا تكمن فقط في تأخير صرف الرواتب، وإنما في انعكاساتها المباشرة على مختلف القطاعات الاقتصادية. فتراجع القوة الشرائية يضرب الأسواق، ويؤثر في القطاع الخاص، ويزيد معدلات البطالة والفقر، ويهدد استقرار الجهاز المصرفي، ويقوض قدرة الحكومة على تقديم الخدمات الأساسية، الأمر الذي ينعكس على السلم الاجتماعي ويضعف قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود في مواجهة سياسات الاحتلال.

وللأسف، ورغم خطورة المرحلة، فإننا لم نلمس حتى الآن رد فعل استراتيجياً يرتقي إلى مستوى التحديات. فما زالت المعالجات الحكومية تدور في إطار إدارة الأزمة وتأمين دفعات الرواتب شهراً بشهر، دون وجود رؤية اقتصادية وطنية شاملة تقلل من التبعية الاقتصادية للاحتلال، وتعيد بناء الاقتصاد الفلسطيني على أسس أكثر قدرة على الصمود والاستدامة.

وفي المقابل، يثير الغياب شبه الكامل للدعم العربي والإسلامي المباشر للموازنة الفلسطينية تساؤلات كبيرة حول مدى إدراك خطورة ما يجري. فالقضية لم تعد مجرد تقديم مساعدات مالية، بل تتعلق بحماية صمود الشعب الفلسطيني ومنع انهيار مؤسساته الوطنية في مواجهة حرب اقتصادية تستهدف وجوده وحقوقه الوطنية.

إن استمرار هذا الواقع ستكون له تداعيات سياسية واجتماعية خطيرة، إذ إن إضعاف الاقتصاد الفلسطيني يخدم بصورة مباشرة المشروع الإسرائيلي الهادف إلى فرض الوقائع على الأرض، وتقويض فرص إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، ودفع قطاعات واسعة من الفلسطينيين إلى الهجرة القسرية نتيجة تردي الأوضاع المعيشية، وهو ما يشكل أحد أخطر أبعاد سياسة التهجير الصامت.

إن المرحلة الراهنة تفرض إطلاق استراتيجية وطنية شاملة تجمع بين التحرك السياسي والدبلوماسي والقانوني والاقتصادي، لحشد موقف عربي ودولي يضمن حماية الحقوق المالية الفلسطينية، والضغط للإفراج عن أموال المقاصة، وتوفير شبكة أمان مالية عربية عاجلة، بالتوازي مع إصلاحات اقتصادية تعزز الإنتاج الوطني وتقلل من التبعية للاقتصاد الإسرائيلي.

إن صمود الشعب الفلسطيني لا يمكن أن يبقى معتمداً على إدارة الأزمات، بل يحتاج إلى رؤية وطنية متكاملة وإرادة سياسية عربية ودولية تدرك أن الحرب الاقتصادية التي تشنها إسرائيل ليست أقل خطورة من العدوان العسكري، لأنها تستهدف الإنسان الفلسطيني في لقمة عيشه، وفي بقائه على أرضه، وفي حقه المشروع بإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...