د. عاطف سلامة - حين تصبح الجزمة وقودًا...

منذ السابع من أكتوبر، لم تعد الأشياء تُقاس بأثمانها، بل بأعمارها الإضافية.
في الأيام العادية كان الناس يشترون ويستبدلون ويرمون ما يشاؤون دون أن يلتفتوا وراءهم. أما في زمن الحرب، فقد اكتشفوا أن لكل شيء حياة أخرى؛ بل حياتين وثلاثًا وعشرًا أحيانًا.
لم يعد السؤال في غزة: ماذا سنأكل اليوم؟
بل أصبح السؤال الأصعب: كيف سنشعل النار أولًا؟
فالرغيف يحتاج نارًا، وكوب الشاي يحتاج نارًا، وطبق العدس يحتاج نارًا، وحتى شيء من الدفء في ليالي البرد يحتاج نارًا. أما النار نفسها فقد تحولت إلى معركة يومية لا تقل قسوة عن معركة البحث عن الطعام.
المخابز تفتح يومًا وتغلق عشرة، والبضائع تغرق الأسواق يومًا ثم تختفي أيامًا طويلة، والأسواق تمتلئ بالفراغ أكثر مما تمتلئ بالبضائع. أما الأسعار فقد أصابها الجنون حتى أصبحت الولاعة الصغيرة، التي لا يزيد طولها عن إصبع، تُباع بأكثر من عشرة دولارات.
في صباح بارد داخل خيمة أنهكها المطر والدخان، كان أبو العبد يتأمل كندرته السوداء.
رفعها أمام عينيه وقال بحزن تمثيلي: رحمك الله يا كندرتي... لقد شاركتِ في الحرب أكثر مني.
رفعت أم العبد رأسها عن إبريق الشاي وسألته: مع من تتحدث؟
قال :"أودعها".
قالت :"من؟"
قال:"هذه المسكينة. سأذهب إلى السوق وأبحث عن جزمة جديدة. جلد أصلي، وصناعة محترمة، وتعيش حتى ترى أحفادي".
ضحكت أم العبد وقالت: "ستجد بإذن الله. أنت تقلب السوق رأسًا على عقب حتى تعثر على ما تريد".
قال وهو يلوح بالحذاء: "وإن وجدت واحدة جيدة فسألبسها فورًا، وأرمي هذه في الشارع، أو أتركها عند صاحب المحل".
فجأة اختفت الابتسامة من وجه أم العبد. وضعت الإبريق جانبًا ونهضت وكأن الرجل أعلن نيته بيع الخيمة.
- ماذا قلت؟
- ماذا يعني ماذا قلت؟
- سترميها؟
- نعم... وما المشكلة؟
حدقت فيه بدهشة وقالت: "الحرب .. لم تعلمك شيئًا يا رجل"؟
ضحك: "يا امرأة، إنها جزمة وليست سبيكة ذهب!"
رفعت إصبعها محذرة: "إياك أن ترميها".
- ولماذا أحتفظ بها؟
اقتربت منه وخفضت صوتها كأنها تكشف سرًا عسكريًا: "لأنها ستكون غداءنا الأسبوع القادم".
اتسعت عيناه: "غداءنا؟!"
- نعم.
- هل وصل بنا الحال إلى أكل الأحذية؟
قالت وهي تضحك: "لا نأكلها... نحرقها!"
انفجر الاثنان ضاحكين.
ثم قالت بنبرة امتزج فيها المزاح بالوجع: "ألا ترى أزمة الغاز؟ الأسطوانة الصغيرة أصبحت أعز من الذهب. كل يوم نبحث عن أي شيء يمكن أن تلتهمه النار؛ خشب، وكرتون، وأكياس نايلون، وبقايا خزائن، وقطع قماش، وحتى الأحذية.
ساد الصمت للحظة.
في الخارج كانت عشرات الخيام تنفث سحبًا سوداء كثيفة.
رائحة النايلون المحترق تملأ المكان.
والشحار يزحف إلى الوجوه والثياب.
والشحبار يغطي القدور حتى تبدو كأنها خرجت من باطن منجم فحم.
أصبحت النساء يعرفن أنواع الدخان أكثر مما يعرفن أنواع العطور؛ هذا دخان كرتون، وذاك دخان نايلون، وذلك دخان برابيش ، وذاك حطب رطب يلسع العين قبل الحلق.
قال أبو العبد: "بالأمس رأيت بأم عيني رجلاً يشتري ولاعة بأكثر من عشرة دولارات".
شهقت أم العبد: "عشرة دولارات؟!"
- نعم.
بهذا السعر يجب أن تشعل النار وحدها، وتعد الشاي، وتغسل الصحون، وتساعد الأولاد في الواجبات أيضًا!
ضحك أبو العبد حتى كاد يقع من مكانه. وقال: "وأعتقد أنها يجب أن تأتي مع ضمان لعشر سنوات ".
قالت: "أو مع موظف مختص بإشعال الصرامي!"
ضحكا معًا.
ففي الحروب تصبح النكتة رغيفًا إضافيًا، ويغدو الضحك وسيلة دفاع أخيرة حين تعجز كل وسائل الدفاع الأخرى.
ومن خلف الخيمة ارتفع صوت امرأة تنادي جارتها: "عندك جمرة؟"
فأجابتها الأخرى: "والله لو عندي جمرة لأودعتها في البنك!"
ابتسم أبو العبد وقال: "حتى الجمر صار له حساب توفير."
تنهدت أم العبد وقالت: "هذه معركة النساء كل صباح. قبل أن نفكر بالطعام علينا أن نفكر بالنار. نجمع الورق والكرتون وأكياس النايلون الناشفة، ثم ننفخ وننفخ حتى تدمع العيون ويغطي السواد الوجوه.
ثم ضحكت فجأة وقالت: "أتدري؟ حتى موضوع الزواج تغيّر.
- كيف؟
صاروا عندما يذهبون لخطبة فتاة يقولون للعريس: لا تنظر كثيرًا إلى لون وجهها... كانت أفتح من هيك بكثير.
ضحك أبو العبد وقال: "حقًا؟"
قالت: "طبعًا. يقولون له: هذا ليس لونها الحقيقي، هذا من الشحار والدخان. وبعد الحرب سترجع بيضاء ناصعة كما كانت.
فانفجر أبو العبد ضاحكًا: "يعني حتى مستحضرات التجميل استبدلناها بدخان النايلون؟"
قالت وهي تضحك: "نحن لا نعرف الغش يا رجل. كل شيء عندنا طبيعي. حتى السواد الذي على الوجوه طبيعي مئة بالمئة!"
استمر الضحك بينهما للحظات.
ضحك قصير، لكنه كان كافيًا ليؤجل الحزن قليلًا.
رفع أبو العبد الكندرة وتأملها من جديد.
قبل دقائق كانت مجرد حذاء مهترئ. أما الآن فقد أصبحت في نظره إبريق شاي يغلي. وفنجان قهوة في ليلة باردة. وطبق عدس ساخن يجتمع حوله الأطفال. وربما عدة وجبات أخرى إذا أحسن استخدامها.
تنهد قائلًا: "حسنًا... أعدك أن أعيدها معي."
ابتسمت أم العبد ابتسامة المنتصر وقالت: "هذا أفضل قرار اتخذته منذ أن تزوجنا."
قال ضاحكًا: "ومن يدري؟ ربما يأتي يوم نضع الأحذية في خزائن المجوهرات."
أجابت وهي تنظر إلى الخيام الممتدة أمامها: "لا تستبعد شيئًا... فقد رأينا أشياء لم نكن نتخيل أننا سنراها في حياتنا."
ثم أضافت: "في هذه الحرب، كل شيء يغيّر وظيفته. الخيمة تصبح بيتًا، والبطانية تصبح جدارًا، والكرتونة تصبح طاولة، والجزمة القديمة تصبح وقودًا."
صمت الاثنان.
وفي الخارج كانت مواقد صغيرة تقاوم الريح والجوع، بينما يتصاعد منها دخان أسود كثيف، معلنًا أن الناس هنا لا يخوضون معركة الطعام فقط، بل معركة النار أيضًا.
معركة شعلة صغيرة.
جمرة صغيرة.
ولاعة مفقودة.
أشياء كانت يومًا تافهة لا تستحق التفكير.
أما اليوم، فهي الفارق بين وجبة ساخنة ووجبة باردة، وبين ليلة قاسية وقليل من الدفء.
ولهذا لم تعد الجزمة القديمة مجرد جزمة...
بل احتمالًا آخر للحياة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...