" مسرحية في فصل واحد وخمسة مشاهد "
" ديكور غرفة تضم طاولة وراءها كرسي، وعليها مجموعة أوراق، وكتاب" خطابات إلى الأمة الألمانية لـ: فيخته " موضوع على قاعدته عرْضياً ، مواجهاً النظارة بعنوانه" المترجم إلى العربية " . وفي الواجهة لوحة فوتوغرافية تمثل مسيرة لها طابع جماهيري، حيث ترتفع الأيدي، وتكاد الرؤوس تختفي بينها. في أسفلها عبارة" الشعب يصنع التاريخ " بينما أسفل اللوحة المؤطرة، فثمة عبارة بارزة، وبلون مغاير تقابل العبارة السالفة مباشرة وتتجاوزها طولاً وعرْضاً ومساحة" الوطن أغلى من الكراسي "
المشهد الأول:
" رجل أربعيني، وهو كاتب، يقتعد كرسيَّه، وهو يحمل قلماً، وثمة أوراق متناثرة أمامه .ينظر إلى اللوحة الجدارية المعلَّقة، ويركّز بصره عليها، متأملاً إياها لبعض الوقت، ثم يلتفت إلى النظارة"
يطلبون مني أن أكتب كلمة. إنما أي كلمة؟ إنها كلمة خطابية. نعم خطابية. لمن ؟ لمناسبة. منذ متى أتقنت لغة الخطابات والمناسبات؟" يتوقف، وهو يتنفس بعمق ، وهو يتابع بابتسامة ساخرة"مناسبة تجر مناسبة، مناسبة تلد مناسبة، أسماؤها وحدها تختلف، الرتابة واحدة، تاريخنا كله مناسبات، حتى كلماتنا الأكثر دقة واقتراباً من الأدب والتاريخ، لا تعدِم صفة المناسباتية، مناسبات تختلط مع بعضها بعضاً. " متوقفاً قليلاً ، ثم يستدرك قائلاً" بالمناسبات نتميز عن الآخرين، وفي المناسبات نتمايز. من يكون أكثر مناسباتية بهيئته، ومن يكون معه، وأين يكون جلوسه" يتنفس بعمق، وهو يركّز بصره على النظارة" حتى هؤلاء الذي نعرفهم شعراء وكتاب قصة، وحتى مثقفين كباراً، كما يُسمّونهم، يتبارزون بلغة المناسبات. يحضرونها، ويريدون الظهور أمام الحضر الذي يأتي تحت الطلب، وهم يحركون أيديهم أكثر من تحريك ألسنتهم. وطلِب مني أن أقول كلمتي. أنا لم أعتد جو المناسبات..إنهم لا يريدون أن يكون هناك يتحرك خارج السرب.. لكنني لم أبتعد عنهم. هكذا قلت لهم بالحرف الواحد: يا جماعة.. أنتم كما ترونني دائماً، ولكن لي طريقة خاصة بالقراءة والكتابة.. سوى أنهم أصرّوا علي أن أقول كلمة في المناسبة القادمة والتي أعدّوا أنفسهم لها منذ انتهاء المناسبة السالفة..
" يتنفس بعمق ، وهو ينظر عالياً، وينظر في الأوراق المتناثرة أمامه "أحاول أن أكتب كلمة، لكنني أعيش عجزاً، كأن هناك من يسد في وجهي الطريق "
" صوت يتردد صداه ، وهو يتلفت يمنة ويسرة ، شبيه صوته، لكن النبرة مختلفة"
أتعتقد أنك ستنجح في كتابة كلمتك يا هذا؟ هل نظرتَ إلى اللوحة جيداً؟ هل فكرت فيها جيداً؟ هل سألت نفسك وما صلتُك بها، بما هو مكتوب أسفلها وما ورد في العبارة البارزة "
" يضع كلتا يديه على حافة الطاولة، ويحاول تحديد مصدر الصوت"
لن تراني بالطريقة هذه، لأنك مضطرب، لأنك تحاول أن تعيش غير ما أنت عليه.. " ثم بعد فترة صمت ، وبصوت تسبقه قهقهة": ماذا لو كانت العبارتان هكذا، وبالتسلسل:
" التاريخ يصنع الشعب " و" الكراسي أغلى من الوطن "؟
" ينتفض في مكانه، ويقف سريعاً، وهو ينظر حوله، وهو يزدرد ريقه، وجفناه يرفّان كجناحي نقّار الخشب "
أرأيت كيف وقفت سريعاً؟ مَن أمرك بذلك ؟
" يعود إلى وضعه الأول، يستعيد هدوءه، وهو يمد يده، وباليدين يفتح " خطابات" ويقرأ:
( إن عصرنا يتقدم بخطا جبّار، أكثر من أي عصر آخر من التاريخ العام. )
" يبتسم لحظة قراءته لهذه العبارة الواردة في بداية الكتاب . يسمع الصوت نفسه وبسخرية": ماذا؟ ماالذي يفيدك به فيخته الألماني البعيد عنه بأكثر من معنى وأنت تعرفه جيداً، وأنت تنتمي إلى عالَم ليس من اعتراف بأمثالك، وبهذا الذي انخدع بعقيدته الحزبية مترجم كتابه سامي الجندي، وقد مات مهزوماً؟ أمْ تخال نفسك ألمانياً في مستوى فيخته لتقرأه هكذا؟
" يعيد الكتاب إلى وضعه الأول، ويضع رأسه على حافة الطاولة، وهو يحركه "
" المشهد الثاني "
" يدور الكاتب حول الطاولة، يداه مشبوكتان وراء ظهره، بخطى غير متوازنة ، وعيناه على الأرض، يقف وهو يهز يديه، وعيناه تركّزان على اللوحة:
يا لها من لوحة؟ أرى الأيدي المرفوعة أرجل كراس ٍ مقلوبة. أين الرؤوس؟ كيف لي أن أقيم علاقة معها؟ لا بد أن هذه اللوحة وضِعت خطأ هنا. منذ متى وهي موجودة؟ من الذي أوعز بتصميمها هكذا؟ " يتنفس بعمق مجدداً، وينظر حوله، ويقول" إنهم كثرٌ هؤلاء الذين صمموها. كيف نسيت هذا؟ كلما بهتت أرجعوها إلى حالتها الأولى، إنهم يتسلسلون، لا فرق بين الواحد والآخر، سوى في أسمائهم.. لكن كيف يمكن البقاء هكذا؟ ماذا علي أن أفعل؟ هناك حاجة ما تدفعني لأن أقول شيئاً، إنما في مكان كهذا، كيف يمكن ذلك ؟
" يقترب من الطاولة، ويحمل الكتاب، ويقلب صفحاته، بيدين ترتجفان، تعبّران عن توتر، تستوقفه إحدى الصفحات وهو يقرأ فيها:
( إن تجاهل الشرّ لا يلغيه، كما أن معرفتنا له لا تزيد نفسه. إننا حين نعرفه فحسب نشفيه، هذا ولا مكان للشكوى، أطلقوا ضد الكسل اتهامات لاذعة، أرهقوه بالاحتقار الحاسم والسخر المهين.).
" يهز يده اليمنى، ويوجه سبابته صوب الأعلى، وقد استعاد نشاطه ":
الشر.. الشر! هوذا المفتاح! لا بد من إيجاد المفتاح المناسب" يقف " لكن ماذا لو كان القفل عصياً على الفتح؟ ماذا لو استحال إيجاد المفتاح؟ وكان هناك من يمنع إيجاده، لأن القفل المصمَّم أريد له دون مفتاح ؟
" الصوت السابق يعود، ليتردد صداه في المكان":
أنت لست أنت..ماذا تلقيت من الشر الذي سطَّره كاتبك الألماني؟ شرُّه واقعي، تاريخي، معلوم بأشخاصه، بمكانه وزمانه، ومِن بحث عن المفتاح تعرفه جيداً، كما تعرف ألمانيا هذه.. في هذه البلاد التي ولدتَ وتعيش فيها، وتتكلم لغتها، جرّدوا الشر من حقيقته، ليلتبس فهمه عليك وعلى غيرك.. وما هذه المناسبات التي تعلم بحقيقتها جيداً، إلا تذكيراً بالشرور التي يجري ترسيخها، وليس تجاوزها، وما يحيط بك يؤكدها.
" يقترب من الطاولة، ليستند إليها بكلتا يديه، وهو يطلق زفيراً طويلاً، وهو يطاطىء رأسه "
" المشهد الثالث "
" يظهر الكاتب جالساً على كرسيه واضعاً رجلاً على رجل، ومستنداً بإحدى يديه على حافة الطاولة، وهو يمسد شعر رأسه، ثم ناظراً إلى اللوحة، وبعدها إلى السقف العالي "
أسعفني يا خيالي. أسعفنني يا عرائس الإلهام، أسعفيني يا روحي، فأنا لا أستطيع ضبط نفسي . لا أستطيع النظر كما كنت. ما صلتي بما يجري؟ لست أنا من وضع لوحة كهذه. إنهم يخرجونني من العالم الذي اعتدته ومنذ سنوات طوال، العالم الذي أراه وهو يتحول ويتغير، عالم خاج اللوحة. كيف يمكنني الخروج من هذا المأزق؟لا بد أنهم الآن يتحدثون عني، لا بد أنهم ينتظرون كلمتي.وكيف يتوقعونها، ولم أفكر يوماً على طريقتهم؟
" كما لو أنه بحاجة إلى من يتحدث إليه ومعه . يتردد الصوت الذي بات مألوفاً"
-ماذا هل ضقت ذرعاً بالمكان؟
-ضقت ذرعاً بنفسي.
-ولكنك السبب !
-هناك حالات لا يستطيع أحدنا تجاهلها، لأنها تعنيك وتضعك في مواجهة نفسك!
-ولكنك لست حديث العهد بما هو مستجد؟
-إلا هذا الذي أجدني مواجهاً له.
-إذا كان قدرك، فلا تعتقدنّ أنه مفروض عليه، وعليك أن تعرف كيف تتفهمه .
" يعود إلى نفسه، كما كان ، يحك جبينه، وينقر على الطاولة بأصابع يده اليسرى. ثم يديم النظر في اللوحة قليلاً، ويركّز على الكتاب ، فتمتد يده إليه ، ويقلبه كأنه يبحث عن شيء يفتقده، فيقرأ:
( إن الضرورة تقضي علينا بأن نريد تكوين بشر خيّرين باطنياً، ومن أعماقهم، لأنهما بهم وحدهم تستطيع الأمة الألمانية أن تعيش ، أما الأشرار فهي تختلط بالضرورة بالأجنبي.)
" يرمي الكتاب هذه المرة، ليقف على حافة الطاولة دون أن يسقط، وهو يهز رأسه ويقهقه"
من أين نأتي بالبشر الطيبين؟ وأين هؤلاء البشر الذين يمكن العثور عليهم. بشر يكونون حقيقيين، ملؤهم وطن يعرفونه، ولا يكتفون بالمعرفة فقط، وإنما بالسلوك، وكل منهم يحاول أن يظهر خارجه ما يكون عليه داخله. أهم هؤلاء المطروحون في اللوحة؟
" يلتفت إلى اللوحة، وكأنه يبحث عن شيء، وهو يصغّر زاويتي عينيه "
ماذا لو كانت العبارتان:
" الكراسي تصنع الشعب " و" التاريخ يصنع الوطن "؟
" يعلّق سريعاً وهو يهز رأسه "
" الكراسي تصنع الشعب " عبارة تعجبني، لأنها تصدق على ما يجري .
" المشهد الرابع "
" الكاتب يقتعد كرسيه بعيداً عن الطاولة حيث المصباح المعلَّق في السقف يتدلى على رأسه، كأنه يقدم اعترافاً"
أقولها بصراحة، أنا لا أحب الطاولات، لا أحب الكراسي. لا أذكر منذ متى بدأ كرهي للطاولة يتنامى مع الزمن. والكرسي لا تنفصل عن الطاولة. كلٌّ منهما تستدعي الأخرى. حتى وأنا في أفضل حالاتي النفسي، أشعر أنني في مكان يهزأ مني، أن هناك من يراقبني في كل ما أقوم به. قد يعتبر أحدهم ذلك مرضاً نفسياً. لكنني لست من هذا النوع. كلما تذكرتهما، أو دققت فيهما، أراهما وجهين لعملة واحدة: العنف الموجه ضد المقابل. على الطاولة هناك أوراق لضبط الآخر، أو للدفع به لأن يعترف باعتباره مذنباً. من يكون وراء الطاولة يكتسب صفة زعاماتية، سلطانية، وقوة طاغية . هكذا أقرأ تاريخهما .
" يتوقف، ويضع راحتي يديه على ركبتيه ":
نعم، نعم، في مقدور يدي وركبتي أن تشهد على ذلك. كم مرة واجهت مثل هذه الحالة. الطاولة للأنس، للطعام، للشعور بالراحة، بوجود الكرسي. لكن في بلادنا ، الاثنتان محرّفتان عن وظيفتهما. للتباهي أو التفاخر، لإظهار زعامة فارغة ، جوفاء، وكاريزما مزيفة بوجه مصطنع، كلما زادت الطاولة والكرسي دقة صنع.
أليست لغتنا هي الشاهدة على ذلك؟ لا أكثر من الكلمات التي تعبّر عن مثل هذا التزييف لحقيقة كل منهما، فأين هو هذا المكان الذي يريح أحدنا، بوجود طاولة وكرسي تمنحاننا أماناً مع دفق الزمن داخلنا؟
" يمد يده إلى الكتاب ، ويرجع إلى وضعية الجلوس، ويتصفحة، ليقرأ بتعابير وجهية مفرحة"
( إن الإشارات التي تتألف منها لغة حيّة، هي إشارات نفسها حية وحساسة، تعكس الحياة التي تفذت إليها، وتنفذ هي بدورها فيها.)
أحسنت يا فيخته، يا فيخته العظيم.. وأنت يا سامي الجندي، يا مترجمه، كيف كان شعورك وأنت تقبل على ترجمته، وأنت متحمس لكلماته؟ أي طاولة وكرسي كانتا تتشكلان في خيالك ، ولوحة كهذه المعلقة هناك؟
" المشهد الخامس "
" يدير الطاولة صوب النظارة، والكاتب يقتعس كرسيه، وهو يحرك قلماً في يده، ناظراً إلى الورق "
يظهر أنني لن أستطيع الكتابة. لا ، لا أستطيع الكتابة، ويستحيل علي الكتابة في وضع كهذا. كيف لي أن أكتب وليس هناك أي استعداد لدي للكتابة.
نعم، أنا أحب وطني. لكم أتمنى أن يكون لي وطن" يرفع صوته، وكأنه ينادي أحدهم ":
من لا يريد أن يكون له وطن، وطن لا تكون الطاولة والكرسي كما عهدناهما، سيئتيّ السمعة. أريد وطناً حقيقياً. وطناً يعرف أنني أنتمي إليه، يسمع صوتي ، يعرف لغتي، وأوجاعي باسمه، وهو مرجعي، دون وجود طاولة أو كرسي. في الهواء الطلق، في الطرقات، في الساحات العامة، في الشوارع الفرعية، في الحدائق، في منطفات الطرق العامة، في صالات الأفراح الفعلية، والأعراس غير الخاضعة للعيون التي تكون في مقاس الطاولة والكرسي المذكورتين.
أريد أن أعيش وطناً بطريقة تريحني، أحمل ساعة تشعرني بحرارة دل ثانية عبرها، وليس الزمن الذي لا قيمة له هنا وهناك .
" ينظر إلى الكتاب مجدداً، ويشده إليه، ويقف عند إحدى صفحاته، وهو يقرّب عينيه مما يقرأ"
( إن من فقد استقلاله فقد بالتالي إمكانية التأثير في مرور الزمن، وتحديد محتواه بكل حرّية، لأنما عند من يفقد استقلاله يتطور الزمن الذي يعيش فيه ، وهو مع الزمن ، تحت ضغط قوة خارجية.. وهو لا يستطيع الخروج من هذه الحالة، التي انعدم تأثيره الفعال فيها في العالم، والتي لا يبقى له فيها غير فخر الخضوع، إلا إذا رأى عالماً جديداً، ينبثق أمامه، يستطيع أن يكرس نفسه لخلق مرحلة جديدة من الزمن.)
" يأتيه الصوت الذي انقطع لبعض الوقت "
ها قد فهمت، وأدركت ماذا يعني أن تعيش الزمن، في وطن كما فهمه فيخته ورأى في أفقه ما سيكون عليه وطنه، وليس ما حدث مع مترجمه، أو مع هؤلاء الذين يحثّونك على أن تمشي في ركابهم .
" ينظر إلى اللوحة، ويمد يده اليمنى نحوها "
لعل الأصوب هو الدمج بين العبارتين:
" الكراسي تصنع الشعب والتاريخ "
لم يعد هناك ما يمكن التوقف. لا بد أن أحسم أمري. على الأقل سأقول: إلى إشعار آخر. ربما حينها يمكنني ذاتياً أن أتقدم بكلمتي، وملء روحي حماس ، حيث لا تعود اللوحة تلك معلقة، لأشعر أن هناك من يمكنني مقابلتهم، وأنا أستعد لقول أو قراءة كلمتي، وأدرك تماماً، أن هناك زماناً قد سجّل باسمنا، وبإمضاءتنا ..