إيناس محمد عتمان - ديكور الفراغ...

في مدينةٍ لا يزورها الليل إلا لماماً، كانت نهى تعيش في شقة واسعة، جدرانها مغطاة بالكامل بستائر مخملية ثقيلة. لم تكن تخشى الضوء، بل كانت تخشى ما قد يكشفه الضوء من فراغات. بدأ الأمر حين غادر "هو". لم يغادر بجلبة، بل انسحب كحبرٍ جفّ فجأة من قلم. حينذاك ، اتخذت نهى قراراً غريباً: لن تسمّي الأشياء بأسمائها. في وسط الصالة تماما ، كانت هناك "فجوة" كبيرة خلّفها غيابه.. حيث كان يجلس دائما ، كان الهواء هناك بارداً وثقيلاً. جارتها سألتها يوماً: "كيف تتعاملين مع هذا الفقد؟". نظرت نهى إلى الفراغ وابتسمت بهدوء: "أيُّ فقد؟ هذا ليس فقداً.. إنه توسعة لديكور الزمن هنا . وضعت نهى كرسياً خشبياً قديماً وسط تلك الفجوة، ووضعت فوقه كتاباً مفتوحاً. لم يكن الكرسي للجلوس، بل كان "فتحة تهوية" كما تسميها. كانت تقنع نفسها بأن الفراغ ليس موتاً للعلاقة، بل هو مساحة كافية ليتمكن هو من العودة دون أن يصطدم بجدران عتابها. مرت الشهور، وانطفأت في غرفتها المصابيح واحداً تلو الآخر. صار البيت مظلماً إلا من شمعة وحيدة. لم تعترف نهى بأنها تعيش في عتمة موحشة؛ كانت تمشي في الممرات وتهمس لنفسها: "هذا ليس انطفاءً.. إنه مساء طويل بلا صوت، صمّمته خصيصاً لأتدرب على السكينة". كانت رمزيتها الذهنية تملأ كل ركن. الساعات المعطلة على الحائط لم تكن دليلاً على توقف حياتها، بل كانت تسميها "وقت ضائع في زاوية ما من العمر"، وكأنها خبأت تلك الساعات في حصالة، لتستعيدها معه حين يعود. في المطبخ، كان هناك طبقان دائماً، وصنفان من الطعام. وحين يبرد الطعام في الطبق المقابل، لا تبكي، بل تقول ببرود مذهل: "هذا سوء تفاهم كبير بين الشهية والزمن". ذات ليلة، وقفت أمام المرآة. رأت وجهها شاحباً، وعينيها غائرتين، ويدها ترتجف وهي تمسك بياقة قميص تركه خلفه. شعرت بوخزة حادة في صدرها، شيء يشبه الجرح تماماً. لكنها سرعان ما أغمضت عينيها بشدة، وضغطت على يدها حتى ابيضت مفصلها، وقالت بصوت مسموع:"هذا ليس ألما.. إنه ارتباك في المشاعر نتيجة تبدل فصول الزمن ".خرجت إلى الشرفة، كانت المدينة تحتها تضج بالحياة، بالناس الذين يحبون ويخسرون ويصرخون من الوجع. أما هي، فكانت تقف خلف الزجاج، ترفض فتح الباب تماماً للريح التي كانت تهب ، كانت تخاف أنه لو دخلت الريح، ستطير كل تلك المسميات الهشة التي اخترعتها، وستواجه الحقيقة العارية: أنها وحيدة، ومكسورة، ومنسية.لكنها عادت للداخل، وأغلقت الستارة، وأمسكت بقلم وورقة، وكتبت فوق الفراغ الذي يملأ سريرها: "مساحة حرة، لتتذكرني دون ضغط، وتعود دون خجل".استلقت بجانب المساحة الحرة ، وأغمضت عينيها وهي تردد: "أنا لست في حداد.. أنا فقط في انسحاب مؤقت من الضوء".نامت نها وهي تظن أنها هزمت الفقد بحروف اللغة، بينما كان الفقد يبتسم في الزاوية، منتظراً اللحظة التي تنتهي فيها الكلمات، لتبدأ الحقيقة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...