محمود سلطان - الحقوقي...

قطع عليه الهاتف متعته، على فراش أشهى زوجاته وأجملهن، أسند جسده على يده اليمنى، ولملم باليسرى شعرها الذي نكشه العنف اللذيذ، قاوم غواية ضرعين دافئين مثخنين بالعسل واللبن. قبّلها.. استأذن منها مُداعبًا، الليل لا يزال أمامهما طويلاً، ولا يستقبل مكالمات في مثل هذا الوقت المتأخر، إلا إذا كان في أمر جلل.
انفرجت أساريره، انسل وجهه المطفأ من التلمظ، مثل القمر من بين غمامتين معتمتين، استدار إلى زوجته، مستلقية على ظهرها تضج شبقا، تنتظر أن يستأنف حرثه، ويعصر مطره على أرضها الشراقي.
طلب منها أن تطوي صفحة حقوقها الليلة.. توجّه إلى خزانة الملابس. فتح ضلفتيها واستدعاها، لتشاركه في اختيار طقم يناسب حفل تكريمه، ستنقله الفضائيات على الهواء مساء يوم غد.
أمضيا ما تبقى من ليل، في تفقد ما تنوء بحمله أرفف وشماعات الدولاب، استقرا على بدلة سوداء كلاسيك أنيقة، وبابيون، وقميص سواريه مناسب وقنينة عطر ابتاعها من السوق الحرة بمطار باريس، وحذاء جلدي من أرقى محلات لندن.
أمر خدمه ببسط السجادة الحمراء، نطقها بالإنجليزية "الريد كاربت"، تغطي درج سلم الخروج من بوابة الفيلا إلى أسفل الباب الخلفي لسيارته "رولز رويس" المصفحة، حتى لا يتأذى حذاؤه البريطاني بتحرشات الأرض المتربة.
اصطف البودي جاردات على حافتي البساط البروتوكولي، وطوق مثلهم السيارة إلى أن توارى خلف زجاجها الفاميه المعتم.
في الطريق رن هاتفه، لم يتردد في الرد، إنه كبير مساعديه المشرفين على العمال، تجهم وعبس وجهه.. تفصد جسده عرقا: سقط مبيض محارة من على السقالة من الطابق السادس، أخشابها قديمة وتالفة، له زوجة وطفلان.. لا يستر جسده الواهن، إلا سترته المتربة وخفه المتهالك.. لم يتبين مساعده ما إذا كان حيًا:
ـ اتصرّف.. المهم لا شرطة ولا مستشفى.. لا أريد فضائح .. الليلة حفلة تكريمي سيحضرها كبار رجال القانون والدولة.
نُقل جثمانه لداخل البناية، وغُطي بأكياس الأسمنت الفارغة، ريثما يُسدل الليل عتمته على المكان نصف المهجور.
ألقوه على الطريق السريع، ثلث جسده على الإسفلت، وثلثان على حرمه الترابي.. غادروا يتلفتون مرتبكين، إلى أن أخفتهم بنايات مبعثرة لا يجمعها إلا القبح والفوضى.
في المساء، شاهدوه على التلفاز مُحاطًا بمجتمع الباشاوات، وهو يتلقى بوكيهات الورد، والتهاني بفوزه، بجائزة أفضل مناضل حقوقي لهذا العام، نصف الشاشة يشغله شريط متحرك يعرض قائمة بأهم إنجازاته: سداد فواتير إنقاذ إوزة وبطتين، أصيبت بفيروس غامض بحديقة الحيوان، وانتشال قرد تعثرت قدماه فسقط في بئر على الحدود مع دولة السودان الشقيقة.

محمود سلطان


* من المجموعة القصصية "الفيلا رقم 5". ط. القاهرة. دار افاتار للنشر والتوزيع 2021
ـ

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...