مقدمة
لا يقاس عمر الانسان بعدد السنوات .
بل بعدد القلوب التي تشعر ان شيئا منها قد رحل ( حين يرحل هو ) .
...........................
البداية :-
كل صباح كان يقف عند الرصيف الثالث قبل ان تصل اولى القطارات .
لم يكن يحتاج الى ساعة ليعرف موعدها .
كان يعرف المحطة كما يعرف الانسان صوت قلبه .
يعرف اي القضبان تصدر ذلك الانين الخافت قبل وصول القطار و يعرف أي المقاعد يختارها المنتظرون لاول مرة و أاي الاعمدة يختبئ خلفها الاطفال وهم يلهون .
ثلاثون عاما و هو يرى المدينة تدخل اليه وتخرج منه
لكن شيئا واحدا لم يتغير .
الوجوه .
كان يؤمن ان الوجوه لا تكذب .
قد تكذب الكلمات و قد تبتسم الشفاه لكن العينين لا تعرفان التمثيل طويلا .
ولذلك لم يكن ينظر الى التذاكر .
كان ينظر الى العيون .
صار يحفظها كما يحفظ الناس اسماء ابنائهم
و كان كثيرا ما يسئل نفسه كيف يستطيع الانسان ان ينسى وجها بكى امامه .
كان يخشي ان ياتي يوم ينسي فيه وجها واحدا فوقتها سيسقط عمره دون ان يشعر .
كان الناس يرونه حارسا للمحطة
اما هو فكان يرى نفسه حارسا للحظات البشر .
يشهد اللقاءات ولا يشارك فيها .
يرى العناق الاول بعد الغياب .
يرى الوداع الاخير قبل السفر .
ويرى ام تضحك وهي تضم ابنها .
رجلا يخفي دموعه حتى يتحرك القطار .
ثم يعود كل شيء الى صمته .
كان يبتسم .
ليس لانه يحمل قلبا رقيقا .
بل لانه كان يخشى ان يزداد هذا العالم وجها عابسا اخر .
.......
في ظهيرة باردة تغير ايقاع المحطة فجأة .
ارتفع صوت بكاء طفل .
كان البكاء مختلفا .
ليس بكاء عناد ولا خوف من السقوط .
كان بكاء انسان صغير اكتشف لاول مرة ان العالم اكبر من يديه .
نظر الحارس و رأى الوجوه تحيط بطفلا يخنقوه بأسئلة تزيده رعبا و عيونهم تبحث عن أمه .
اما هو فكان يبحث عن شئ اخر
كان يبحث عن الخوف .
وجده في عينيه الصغيرتين .
حرك ذلك شيء قديم داخله .
شيء ظنه مات منذ سنوات .
تذكر نفسه
صبيا صغيرا يقف في سوق مزدحم وحيدا بعد ان افلتت يده من يد ابيه للحظة .
يومها لم يكن يبكي لانه ضاع .
بل لانه كان يخشى ان يكون ابوه قد مضى و تركه دون رجعة .
منذ ذلك اليوم صار يخاف من الاطفال الذين يبكون .
بكأهم كان يوقظ طفلا يسكن داخله ولم يكبر ابدا .
اقترب منه ببطء .
لم يسالة عن اسمه .
الاطفال حين يخافون لا يحتاجون الى الاسئلة .
جلس الى جواره و اخرج من جيبه قطعة حلوى كان يحتفظ بها دائما .
صدقا لا يعرف لماذا كان يحملها كل يوم .
ربما لانه كان يؤمن ان بعض المواقف لا تعالجها الكلمات .
تناول الطفل الحلو و و سكت
و لاول مرةابتسم
شعر الحارس بشيء دافئ يعبر قلبه
هذا الدفء الذي تسلل الى صدره لم يكن مجرد شعور عابر بل كان كلمحة ضوء في نفق مظلم كأن الكون كله قد احتشد في تلك اللحظة ليمنحه هدية صغيرة قبل ان يمضي القطار و يغادر كل شيء معة .
وقال في نفسه الحمد لله .
بعد دقائق ظهرت امراءة تركض بين الناس كانت تنادي باسم صغيرها بصوت يرتجف و ما ان رأته حتى احتضنته بقوة كانها تحاول ان تعيده الى داخل قلبها .
رفعت راسها نحوه .
قالت كلمة واحدة .
شكرا
ثم رحلت .
ظل يتبعهما بعينيه حتى ابتلعهما الزحام كما يبتلع النهر ورقة سقطت على سطحه .
لم يشعر بفقد و لا بوحده .
بل امتللاء قلبه بسكينة لم يعرفها منذ زمن .
همس لنفسه
هذا يكفي
يكفي ان هناك طفلا واحدا سيغفوا الليلة وهو يؤمن ان العالم لم يخذله في اول صدام له معه .
............
مر اكثر من عقدين من الزمن لم تفارقه ابتسامته يوما .
تجعد وجهه .
بعض الأمراض المزمنة .
صار صعود درجات الرصيف يتعب ركبتيه .
لكن ذاكرته بقيت كما هي .
كان ينسى اين وضع مفاتيحه و لا ينسى وجها واحدا مر به .
وكان احيانا يضحك من نفسه و يتساأل اي نعمة هذه واي عقوبة ؟
وفي صباح مزدحم كان ينظم حركة المسافرين كعادته مر امامه شاب يمسك ذراع امراءة ستينية العمر .
كانت خطواتها ابطأ مما ينبغي .
اما الشاب فكان يبتسم لها بالطريقة نفسها التي يبتسم بها الاطفال لامهاتهم .
رفغ الحارس عينيه و تجمد .
عرفهما في لحظة واحدة .
لم يعرف كيف .
ربما من العينين .
وربما من الطريقة التي كانت الام تمسك بها يد اإبنها كلما اشتد الزحام .
هما هما
الطفل و أمه .
لم ينتبه اي منهما اليه .
عبرا من امامه كما يعبر الناس امام ساعة معلقة على جدار يعرفون انها موجودة لكنهم لا ينظرون اليها .
تابعهما بعينيه حتى أبتلعهما الزحام .
ثم ابتسم وقال في نفسه لحمد لله
لقد كبر .
هذا يكفي .
و أدرك في تلك اللحظة ان بعض الناس يتركون في حياتنا اثرا لا ينسى بينما لا يعلمون اصلا اننا كنا جزءا من قصتهم .
و كعادته اليومية منذ أن كان صغيرا
كان يعود كل ليلة الى غرفته الضيقة و يفتح دفترا قديما و يكتب كلمات قليلة .
لم يكن يكتب ما حدث في يومه بل كان يكتب سببا واحدا فقط يجعله ينهض غدا .
اليوم كنت موجودا لان رجلا غريبا أبتسمت له فقال لي صباح الخير .
وفي صفحة اخرى اليوم كنت موجودا لان طفلا أعطيته حلوي و ضحك بعدما كان يبكي .
وفي اخر اليوم امراة سألتني عن مكان و أرشدتها ثم قالت شكرا .
وكان يغلق الدفتر كل ليلة وهو يشعر ان وجوده لم يمر على الدنيا مرور الغبار .
و في صباح يوم هاديء وصل القطار و نزل الركاب و انتظر الجميع ان يجدوا الحارس واقفا عند مكانه المعتاد .
لكنه لم يات .
و حين فتحوا باب غرفته بعد ايام وجدوه مستلقيا على ظهره فوق سريره فمه نصف مفتوح كمن اراد ان يقول كلمة اخيرة و لم يسعفه الوقت و عيناه ظلتا معلقتين بالسقف كانهما كانتا تبحثان عن وجه لم يات ابدا .
اما ابتسامتة الطيبة فكانت تغزو وجهه .
كانت ابتسامة صغيرة و متعبة .
كانت ابتسامة رجل قضى عمره كله يطمئن الغرباء ثم رحل دون ان يجد من يطمئن وحدته .
لم يكن في الغرفة ما يدل على انه عاش حياة عظيمة .
سترته ما زالت معلقة في مكانها و جواله و ساعته القديمة فوق الطاولة وقد توقفت عقاربها .
كان الدفتر مفتوحا على اخر صفحة و كأن صاحبه كان يعلم انها ستكون الاخيرة .
لم يكن فيها سوى هذه الكلمات ( اذا مررت يوما بانسان تظنه عابرا فتذكر :
قد تكون انت الشيء الوحيد الذي اقنعه اليوم بان وجوده لم يكن بلا معنى ) .
ثم في اسفل الصفحة
بخط مرتجف اضعف من كل ما سبقه
كأن اليد كانت تفقد قوتها مع كل كلمة ( بعض البشر لا ينتظرون ان يحبهم احد
كل ما يتمنونه ان يشعروا و لو لمرة واحدة انهم لم يعيشوا عبورا في حياة الاخرين ) .
اغلقوا الدفتر و حملواا الجسد بصمت .
في صباح اليوم التالي وصل اول قطار في موعده و امتلات المحطة بالمسافرين .
لم يلتفت احد الى ذلك المكان الفارغ عند الرصيف الثالث .
المكان الذي ظل عقودا كثيرة يحمل رجلا كان يعرف وجوه الجميع .
بينما لم يعرف وجهه احد .
النهاية .
...........
نادر الفار
لا يقاس عمر الانسان بعدد السنوات .
بل بعدد القلوب التي تشعر ان شيئا منها قد رحل ( حين يرحل هو ) .
...........................
البداية :-
كل صباح كان يقف عند الرصيف الثالث قبل ان تصل اولى القطارات .
لم يكن يحتاج الى ساعة ليعرف موعدها .
كان يعرف المحطة كما يعرف الانسان صوت قلبه .
يعرف اي القضبان تصدر ذلك الانين الخافت قبل وصول القطار و يعرف أي المقاعد يختارها المنتظرون لاول مرة و أاي الاعمدة يختبئ خلفها الاطفال وهم يلهون .
ثلاثون عاما و هو يرى المدينة تدخل اليه وتخرج منه
لكن شيئا واحدا لم يتغير .
الوجوه .
كان يؤمن ان الوجوه لا تكذب .
قد تكذب الكلمات و قد تبتسم الشفاه لكن العينين لا تعرفان التمثيل طويلا .
ولذلك لم يكن ينظر الى التذاكر .
كان ينظر الى العيون .
صار يحفظها كما يحفظ الناس اسماء ابنائهم
و كان كثيرا ما يسئل نفسه كيف يستطيع الانسان ان ينسى وجها بكى امامه .
كان يخشي ان ياتي يوم ينسي فيه وجها واحدا فوقتها سيسقط عمره دون ان يشعر .
كان الناس يرونه حارسا للمحطة
اما هو فكان يرى نفسه حارسا للحظات البشر .
يشهد اللقاءات ولا يشارك فيها .
يرى العناق الاول بعد الغياب .
يرى الوداع الاخير قبل السفر .
ويرى ام تضحك وهي تضم ابنها .
رجلا يخفي دموعه حتى يتحرك القطار .
ثم يعود كل شيء الى صمته .
كان يبتسم .
ليس لانه يحمل قلبا رقيقا .
بل لانه كان يخشى ان يزداد هذا العالم وجها عابسا اخر .
.......
في ظهيرة باردة تغير ايقاع المحطة فجأة .
ارتفع صوت بكاء طفل .
كان البكاء مختلفا .
ليس بكاء عناد ولا خوف من السقوط .
كان بكاء انسان صغير اكتشف لاول مرة ان العالم اكبر من يديه .
نظر الحارس و رأى الوجوه تحيط بطفلا يخنقوه بأسئلة تزيده رعبا و عيونهم تبحث عن أمه .
اما هو فكان يبحث عن شئ اخر
كان يبحث عن الخوف .
وجده في عينيه الصغيرتين .
حرك ذلك شيء قديم داخله .
شيء ظنه مات منذ سنوات .
تذكر نفسه
صبيا صغيرا يقف في سوق مزدحم وحيدا بعد ان افلتت يده من يد ابيه للحظة .
يومها لم يكن يبكي لانه ضاع .
بل لانه كان يخشى ان يكون ابوه قد مضى و تركه دون رجعة .
منذ ذلك اليوم صار يخاف من الاطفال الذين يبكون .
بكأهم كان يوقظ طفلا يسكن داخله ولم يكبر ابدا .
اقترب منه ببطء .
لم يسالة عن اسمه .
الاطفال حين يخافون لا يحتاجون الى الاسئلة .
جلس الى جواره و اخرج من جيبه قطعة حلوى كان يحتفظ بها دائما .
صدقا لا يعرف لماذا كان يحملها كل يوم .
ربما لانه كان يؤمن ان بعض المواقف لا تعالجها الكلمات .
تناول الطفل الحلو و و سكت
و لاول مرةابتسم
شعر الحارس بشيء دافئ يعبر قلبه
هذا الدفء الذي تسلل الى صدره لم يكن مجرد شعور عابر بل كان كلمحة ضوء في نفق مظلم كأن الكون كله قد احتشد في تلك اللحظة ليمنحه هدية صغيرة قبل ان يمضي القطار و يغادر كل شيء معة .
وقال في نفسه الحمد لله .
بعد دقائق ظهرت امراءة تركض بين الناس كانت تنادي باسم صغيرها بصوت يرتجف و ما ان رأته حتى احتضنته بقوة كانها تحاول ان تعيده الى داخل قلبها .
رفعت راسها نحوه .
قالت كلمة واحدة .
شكرا
ثم رحلت .
ظل يتبعهما بعينيه حتى ابتلعهما الزحام كما يبتلع النهر ورقة سقطت على سطحه .
لم يشعر بفقد و لا بوحده .
بل امتللاء قلبه بسكينة لم يعرفها منذ زمن .
همس لنفسه
هذا يكفي
يكفي ان هناك طفلا واحدا سيغفوا الليلة وهو يؤمن ان العالم لم يخذله في اول صدام له معه .
............
مر اكثر من عقدين من الزمن لم تفارقه ابتسامته يوما .
تجعد وجهه .
بعض الأمراض المزمنة .
صار صعود درجات الرصيف يتعب ركبتيه .
لكن ذاكرته بقيت كما هي .
كان ينسى اين وضع مفاتيحه و لا ينسى وجها واحدا مر به .
وكان احيانا يضحك من نفسه و يتساأل اي نعمة هذه واي عقوبة ؟
وفي صباح مزدحم كان ينظم حركة المسافرين كعادته مر امامه شاب يمسك ذراع امراءة ستينية العمر .
كانت خطواتها ابطأ مما ينبغي .
اما الشاب فكان يبتسم لها بالطريقة نفسها التي يبتسم بها الاطفال لامهاتهم .
رفغ الحارس عينيه و تجمد .
عرفهما في لحظة واحدة .
لم يعرف كيف .
ربما من العينين .
وربما من الطريقة التي كانت الام تمسك بها يد اإبنها كلما اشتد الزحام .
هما هما
الطفل و أمه .
لم ينتبه اي منهما اليه .
عبرا من امامه كما يعبر الناس امام ساعة معلقة على جدار يعرفون انها موجودة لكنهم لا ينظرون اليها .
تابعهما بعينيه حتى أبتلعهما الزحام .
ثم ابتسم وقال في نفسه لحمد لله
لقد كبر .
هذا يكفي .
و أدرك في تلك اللحظة ان بعض الناس يتركون في حياتنا اثرا لا ينسى بينما لا يعلمون اصلا اننا كنا جزءا من قصتهم .
و كعادته اليومية منذ أن كان صغيرا
كان يعود كل ليلة الى غرفته الضيقة و يفتح دفترا قديما و يكتب كلمات قليلة .
لم يكن يكتب ما حدث في يومه بل كان يكتب سببا واحدا فقط يجعله ينهض غدا .
اليوم كنت موجودا لان رجلا غريبا أبتسمت له فقال لي صباح الخير .
وفي صفحة اخرى اليوم كنت موجودا لان طفلا أعطيته حلوي و ضحك بعدما كان يبكي .
وفي اخر اليوم امراة سألتني عن مكان و أرشدتها ثم قالت شكرا .
وكان يغلق الدفتر كل ليلة وهو يشعر ان وجوده لم يمر على الدنيا مرور الغبار .
و في صباح يوم هاديء وصل القطار و نزل الركاب و انتظر الجميع ان يجدوا الحارس واقفا عند مكانه المعتاد .
لكنه لم يات .
و حين فتحوا باب غرفته بعد ايام وجدوه مستلقيا على ظهره فوق سريره فمه نصف مفتوح كمن اراد ان يقول كلمة اخيرة و لم يسعفه الوقت و عيناه ظلتا معلقتين بالسقف كانهما كانتا تبحثان عن وجه لم يات ابدا .
اما ابتسامتة الطيبة فكانت تغزو وجهه .
كانت ابتسامة صغيرة و متعبة .
كانت ابتسامة رجل قضى عمره كله يطمئن الغرباء ثم رحل دون ان يجد من يطمئن وحدته .
لم يكن في الغرفة ما يدل على انه عاش حياة عظيمة .
سترته ما زالت معلقة في مكانها و جواله و ساعته القديمة فوق الطاولة وقد توقفت عقاربها .
كان الدفتر مفتوحا على اخر صفحة و كأن صاحبه كان يعلم انها ستكون الاخيرة .
لم يكن فيها سوى هذه الكلمات ( اذا مررت يوما بانسان تظنه عابرا فتذكر :
قد تكون انت الشيء الوحيد الذي اقنعه اليوم بان وجوده لم يكن بلا معنى ) .
ثم في اسفل الصفحة
بخط مرتجف اضعف من كل ما سبقه
كأن اليد كانت تفقد قوتها مع كل كلمة ( بعض البشر لا ينتظرون ان يحبهم احد
كل ما يتمنونه ان يشعروا و لو لمرة واحدة انهم لم يعيشوا عبورا في حياة الاخرين ) .
اغلقوا الدفتر و حملواا الجسد بصمت .
في صباح اليوم التالي وصل اول قطار في موعده و امتلات المحطة بالمسافرين .
لم يلتفت احد الى ذلك المكان الفارغ عند الرصيف الثالث .
المكان الذي ظل عقودا كثيرة يحمل رجلا كان يعرف وجوه الجميع .
بينما لم يعرف وجهه احد .
النهاية .
...........
نادر الفار