وأنا جالسة في غرفة الضيوف، تذكرت ما حصل منذ أكثر من خمسة وثلاثين عامًا. لم يكن صعبًا علي تذكر ذلك اليوم الذي تناولت فيه فطوري على عجالة كي أذهب للعب مع ابنة خالتي.
كانت ابنتهم، التي تكبرني بعام واحد، تقاسمني ألعابها وتحكي لي الحكايات الجميلة، حتى أصبحتُ متعلقةً بذلك البيت، وصرتُ أقضي فيه ساعات طويلة، وأعود أحيانًا بعد موعد الغداء
لأستقبل توبيخ أمي، التي كانت تهددني بحرماني من الذهاب إليهم. لكنها لم تنفذ تهديدها يومًا، لانها كانت تدرك أن سعادتي كانت كانت تقيم هناك.
كان ذلك اليوم يوم جمعة، حين طلبت مني خالتي أن أصعد إلى الطابق العلوي لأنادي ابنتها الكبرى لتناول الغداء.
انطلقتُ كالسهم لتنفيذ طلبها، لكنني فوجئت بمنظر غريب لم تستوعبه أعوامي العشر آنذاك.
وجدتُ ابنة خالتي سلمى مستلقيةً على سريرها، وقد أسندت رأسها إلى حافته، ودموعها تنساب بصمت على خديها، فيما كانت تستمع إلى أغنية تبعثُ من مذياع موضوع على منضدة خشبية قرب رأسها، وكانت كلمات الأغنية تردد:
«أنساك؟ ده كلام... أنساك؟ يا سلام!»
وقفتُ متجمدة عند باب الغرفة، مستغربة من غرابة المشهد ومتسائلة في دهشة طفولية عن عالم الكبار: كيف يستمعون إلى كثل هذه الأغاني؟
أما هي فلم تعبأ بوجودي، ولم تستجب لنداء والدتها، فاضطررتُ إلى الكذب، وأخبرتهم بأنها نائمة كما طلبت مني.
لكن فضولي لم يدعني أعود إلى بيتنا قبل أن أعرف من أختها أن سلمى تحب جواد ابن الجيران، وأن والدها كان يرفض تزويجها منه، رغم أنه تقدم لخطبتها أكثر من مرة.
مرت السنوات، وانقطعت أخباري عنهم بسبب سفري إلى خارج العراق.
وبعد عودتي علمت أن سلمى بعد إصرارها ورفضها كل من تقدم لخطبتها، استطاعت أخيرًا أن تدفع والدها إلى الموافقة على زواجها من جواد.
يا الله... كم كنت سعيدة!
وقد دفعتني تلك السعادة إلى زيارتها في بيت الزوجية، ولا سيما بعدما علمت أنها رُزقت من حبيب عمرها خمسة أبناء.
استقبلتني ابنتها الكبرى، التي كانت على علم بقدومي، وطلبت مني الجلوس في غرفة الضيوف بينما تذهب لتنادي والدتها.
أخذت أتأمل البيت بلوحاته الرائعة، وأثاثه الفخم، وثرياته العالية. لا شيء ينقص هذا البيت كي يرفل أهله بالسعادة. كنت أحدث نفسي بهذه الكلمات حينما أقبلت ابنة قريبتي تدعوني إلى الصعود إلى الطابق العلوي حسب طلب والدتها.
لكنها أخبرتني همسًا وهي تتلفت حولها، إن والدتها لم تنزل إلى الطابق الأرضي منذ الليلة الماضية، إثر مشاجرة وقعت بينها وبين والدها.
قلت لها مطمئنة:
"هذه الأشياء تحدث غالباً بين المتزوجين، لا تقلقي حبيبتي".
ثم صعدتُ لأقابل المرأة التي نالت، بإصرارها، ما أرادت.
وما إن فتحتُ الباب...
حتى وجدتها في المشهد نفسه تقريبًا.
كانت مستلقية على سريرها، ورأسها مستند إلى الحافة الخشبية،
وإلى جوارها هاتفها المحمول، تنبعث منه أغنية أم كلثوم:
«حب إيه اللي إنت جاي تقولّي عليه؟».
لكن هذه المرة لم تكن تبكي.
كانت تشتم وتتوعد بينما تواصل أم كلثوم الغناء كأنها وحدها ما زالت تؤمن بأن الحب قادر على النجاة.
حين انتهيت من كتابة قصة قريبتي، كانت أم كلثوم تغني:
" فات الميعاد"
كانت ابنتهم، التي تكبرني بعام واحد، تقاسمني ألعابها وتحكي لي الحكايات الجميلة، حتى أصبحتُ متعلقةً بذلك البيت، وصرتُ أقضي فيه ساعات طويلة، وأعود أحيانًا بعد موعد الغداء
لأستقبل توبيخ أمي، التي كانت تهددني بحرماني من الذهاب إليهم. لكنها لم تنفذ تهديدها يومًا، لانها كانت تدرك أن سعادتي كانت كانت تقيم هناك.
كان ذلك اليوم يوم جمعة، حين طلبت مني خالتي أن أصعد إلى الطابق العلوي لأنادي ابنتها الكبرى لتناول الغداء.
انطلقتُ كالسهم لتنفيذ طلبها، لكنني فوجئت بمنظر غريب لم تستوعبه أعوامي العشر آنذاك.
وجدتُ ابنة خالتي سلمى مستلقيةً على سريرها، وقد أسندت رأسها إلى حافته، ودموعها تنساب بصمت على خديها، فيما كانت تستمع إلى أغنية تبعثُ من مذياع موضوع على منضدة خشبية قرب رأسها، وكانت كلمات الأغنية تردد:
«أنساك؟ ده كلام... أنساك؟ يا سلام!»
وقفتُ متجمدة عند باب الغرفة، مستغربة من غرابة المشهد ومتسائلة في دهشة طفولية عن عالم الكبار: كيف يستمعون إلى كثل هذه الأغاني؟
أما هي فلم تعبأ بوجودي، ولم تستجب لنداء والدتها، فاضطررتُ إلى الكذب، وأخبرتهم بأنها نائمة كما طلبت مني.
لكن فضولي لم يدعني أعود إلى بيتنا قبل أن أعرف من أختها أن سلمى تحب جواد ابن الجيران، وأن والدها كان يرفض تزويجها منه، رغم أنه تقدم لخطبتها أكثر من مرة.
مرت السنوات، وانقطعت أخباري عنهم بسبب سفري إلى خارج العراق.
وبعد عودتي علمت أن سلمى بعد إصرارها ورفضها كل من تقدم لخطبتها، استطاعت أخيرًا أن تدفع والدها إلى الموافقة على زواجها من جواد.
يا الله... كم كنت سعيدة!
وقد دفعتني تلك السعادة إلى زيارتها في بيت الزوجية، ولا سيما بعدما علمت أنها رُزقت من حبيب عمرها خمسة أبناء.
استقبلتني ابنتها الكبرى، التي كانت على علم بقدومي، وطلبت مني الجلوس في غرفة الضيوف بينما تذهب لتنادي والدتها.
أخذت أتأمل البيت بلوحاته الرائعة، وأثاثه الفخم، وثرياته العالية. لا شيء ينقص هذا البيت كي يرفل أهله بالسعادة. كنت أحدث نفسي بهذه الكلمات حينما أقبلت ابنة قريبتي تدعوني إلى الصعود إلى الطابق العلوي حسب طلب والدتها.
لكنها أخبرتني همسًا وهي تتلفت حولها، إن والدتها لم تنزل إلى الطابق الأرضي منذ الليلة الماضية، إثر مشاجرة وقعت بينها وبين والدها.
قلت لها مطمئنة:
"هذه الأشياء تحدث غالباً بين المتزوجين، لا تقلقي حبيبتي".
ثم صعدتُ لأقابل المرأة التي نالت، بإصرارها، ما أرادت.
وما إن فتحتُ الباب...
حتى وجدتها في المشهد نفسه تقريبًا.
كانت مستلقية على سريرها، ورأسها مستند إلى الحافة الخشبية،
وإلى جوارها هاتفها المحمول، تنبعث منه أغنية أم كلثوم:
«حب إيه اللي إنت جاي تقولّي عليه؟».
لكن هذه المرة لم تكن تبكي.
كانت تشتم وتتوعد بينما تواصل أم كلثوم الغناء كأنها وحدها ما زالت تؤمن بأن الحب قادر على النجاة.
حين انتهيت من كتابة قصة قريبتي، كانت أم كلثوم تغني:
" فات الميعاد"