علي نوير - تمثالٌ نصفيّ للشاعر البدويّ...

من بعيدٍ أراه
واقفاً
فوق ضفّةِ نهرٍ
بساقَينِ من حجرٍ ،
ورأس إله .
يا إله المتاه
كيف غادرتَ صحراءكَ الأمّ ؟
كيف ارتضيتَ هواءَ المدن ؟
ما الذي خبّأتهُ الليالي تُرى ؟
ما الذي ستخبّئهُ في غدٍ ؟
ماذا تركتَ هناك ؟
ما الذي قد ربحتَ هنا
غير هذا السرابِ ،
وهذا التكتّمِ والخجلِ السرمديّ
وشيءٍ دفينٍ
ينوء به عاتقاك ؟

هوَ ذا
صامت ٌ في الزمان العَجَب ،
ساكن ٌ عندما يستبدّ الصَخَب ،
غاضبٌ ، للظلام العميق ، أشدّ الغَضَب .

ذات حربٍ
أصابَ البلاد
فزع ٌ
وابتلينا بأرضٍ موات ،
فارتدى النهر ثوبَ الحِداد ،
وفاضَ على الجانبَين السَواد .
يا نديمَ الرؤى
هالَني ما أرى .
أينكَ الآنَ ،
أينَ ابتعدت ؟
لا مراكبَ في الأفُقِ الدائريِّ ،
لا سلالمَ نصعدها للسماء
غير حلمٍ قديمٍ
نكرّره بين آنٍ وآن .

من بعيدٍ أراه
حولهُ فِتية ٌ شعراء ،
ورجالٌ يقيسون أبعادَهُ
إذ تراءى لهم :
طائراً
قد تحجّرَ ، ثم استراح ،
مركباً غارقاً ،
شجراً ميّتاً
هجرته الطيور
بعد أن طوّحته الرياح .

هوَ ذا
من قريبٍ أراه
واقفاً في العَراء
مُفرداً ،
ساهماً ،
حولهُ هالة ٌ من ضياء .

أنا ذا
حاضرٌ في الغياب
غائبٌ في الحضور .
في الصباحاتِ أخرج من سجنيَ الحجريّ
وأغدو ضَباباً خفيفاً ،
مطراً ناعماً ،
هواءً بليلاً ،
فأمضي بعيداً
لأرى مدناً ، وقرىً ،
سهوباً ، جبالاً ،
جداولَ لم أرَها قبل هذا الطَواف .
إلهي
أيّ سحرٍ أراهُ تَقَدّسَ اسمك !؟
وأيّ جنونٍ سنفعلهُ
إن أطحنا بهِ
لحظةَ طَيشٍ
بكبسةِ زرّ ؟

هوَ ذا
حاضرٌ في الغياب ،
غائبٌ في الحضور .
آخر الليلِ
يختارُ مجلسَهُ
بين ندمانهِ الأقربينَ :
المعرّي ، بدر بن شاكر ، طاغور .
يصغي إليهم طويلاً ،
ويتلو قصيدته الخاتمة
يُغازل فيها النجومَ البعيدة َ ،
يبكي انطفاءَ النجومِ القريبةِ ،
يجلد ظهرَ اليقين ،
ويشتم هذا الزمان الضَنين
دونما وجلٍ ،
دونما ندمٍ ،
دونما أمنيات .
هوَ ذا
نصف ٌّ إله
نصف ٌ
غمرته المياه .
.
علي نوير
١٤ / ٤ / ٢٠٢٦


ملاحظات
* الإله هنا هو إله أجدادنا العرب في (الجاهلية الأولى) وكان من حجرٍ أو تمر .
* الصحيح لغة ً أن نقول : (ها هوَ ذا) إلّا أنّني استبعدت أداة التنبيه (ها) لثقلها هنا وعدم الحاجة إليها .
* في القصيدة أكثر من صوت ، إلّا أنّ صوت (المتحدّث) هو الغالب .
* أيّ خروج على تفعيلة المتدارك (فاعلن ، فعلن) في هذه القصيدة كان لدواعٍ فنيّة .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...