علي سيف الرعيني -| روح المبادرة !!

كان الصباح قد بدأ للتو وكانت المدينة تستيقظ ببطء على أصوات المارة والسيارات. في أحد الشوارع المزدحمة، انزاح غطاء فتحة لتصريف المياه قليلًا، تاركًا فجوة خطيرة في منتصف الطريق
مرّ رجل مسن، نظر إليها، ثم هز رأسه ومضى وهو يتمتم:
"ليس من شأني لا بد أن البلدية ستصلحها
وبعد دقائق، مرّ شاب يقود دراجته، لمح الفتحة، وكاد يتوقف ليضع حجرًا أو يحذر الناس، لكنه تراجع وهو يقول:
ولماذا أتعب نفسي؟ ليس من شأني.
ثم مرّ موظف في طريقه إلى عمله، لاحظ الخطر، وأخرج هاتفه ليلتقط صورة، لكنه لم يبلغ أحدًا، واكتفى بنشرها على وسائل التواصل الاجتماعي مع تعليق ساخر عن الإهمال، ثم أكمل طريقه.
تتابع المارة واحدًا تلو الآخر. الجميع رأى، والجميع أدرك، والجميع كرر العبارة نفسها، وكأنها أصبحت قانونًا غير مكتوب:
ليس من شأني
وقبيل الظهيرة، كانت أم تمسك بيد طفلها الصغير، تحاول عبور الطريق وسط الزحام. أفلت الطفل يدها للحظة، ركض بخفة الأطفال، ولم ينتبه إلى الفتحة المفتوحة. تعثر وسقط فيها، وارتطم جسده الصغير بحافتها الحديدية.
ارتفعت صرخات الأم، وتوقف الناس مذعورين. هرع بعضهم لإنقاذ الطفل، واتصل آخرون بالإسعاف، بينما وقف آخرون يرددون بحزن:
يا للخسارةكيف تُترك حفرة كهذه في الطريق؟
وصلت سيارة الإسعاف، ونُقل الطفل مصابًا بإصابات خطيرة، وساد المكان صمت ثقيل. لم يكن ذلك الصمت بسبب الحادث وحده، بل لأن كثيرين شعروا أن بإمكانهم منع ما حدث
اقترب الرجل المسن الذي مر صباحًا، ونظر إلى الفتحة بعينين دامعتين، وقال بصوت يكاد لا يُسمع:
لو أنني وضعت حجرًا بجانبها ربما لما حدث هذا
وقال الشاب الذي تجاهلها:
لم أكن أحتاج سوى دقيقة واحدة
أما الموظف، فأغلق هاتفه بصمت، وأدرك أن نشر الصور لا يغني عن اتخاذ موقف.
في ذلك اليوم، لم تكن الفتحة وحدها هي المشكلة، بل كانت الحفرة الأكبر في الضمير، تلك التي صنعتها عبارة واحدة ظل الجميع يرددها:
ليس من شأني
ومنذ ذلك الحادث، تغيّر شيء في الحي. صار الناس يبلغون عن الأعطال، ويساعدون كبار السن، ويحذرون من المخاطر، ويؤمنون أن المبادرة ليست مهمة جهة واحدة، بل مسؤولية الجميع
فالمجتمعات لا تنهار دائمًا بسبب الكوارث الكبرى، بل قد تبدأ بالانهيار عندما يتخلى كل فرد عن دوره، معتقدًا أن غيره سيقوم به
ولعل أعظم درس تركه ذلك الطفل، أن بعض المآسي لا يصنعها الشر، بل يصنعها صمت الطيبين، وتردد القادرين، وتكرار عبارة تبدو بسيطة، لكنها قد تكون قاتلة:
ليس من شأني
فحين تتحول هذه العبارة إلى ثقافة، يصبح الجميع شهودًا على الخطأ، ولا يبقى أحد شريكًا في الإصلاح!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...