إبراهيم محمود - اثنان..اثنان...





كانا اثنين، الأسد والنمر. تصادقا بحضور الحيوانات المقرَّبة منهما.. ثم سارا طويلاً وهما يسردان قصص مغامراتهما بشغف، وهما يتبادلان النظرات. بلغا غابتهما، دخلاها. قال الأسد للنمر: أن نكون صديقين لا يعني أننا من الرتبة نفسها. اصطدْ حيواناً يليق بي دون تلكؤ، تخلَصْ لصداقتنا. نفّذ النمر أمرَه في الحال، وهو شديد التأسف في نفسه على ما جرى. وحين عادا، ودخلا المدينة، ثم توجها إلى مطعم تفوح منه روائح شهية. قال الأسد للنمر بلهجة متعالية: نحن في المدينة، وأنت تعلم مراتبها وعلاقاتها. لا يليق بي أن آتي بصحن طعام لي ، اطلب لي أنت نفسك الطعام الذي أشتهيه، وادفع الفاتورة، وحين أخرج اتبعني ولا تسرْ بجانبي.

***
كانا اثنين، الذئب والكلب،دخلا في صداقة لفتت أنظار الشقيقات الضواري إليهما. أرادا أن يروّحا عن نفسيهما فسلكا طريقاً طويلاً، وهما يسردان قصصاً طريفة عن حياتهما. أوقفتهما غابة. تسللا إلى داخلها قليلاً. توقفا. هنا نبّه الذئب الكلبَ إلى حقيقة بمعياره الذئبي الخاص: علينا الالتزام بقانون الغاب ذي العراقة، الرتبة هنا تفصلنا عن بعضنا بعضاً، لهذا، عليك أن تأتي لي بفريسة تناسب مقامي، دون ذلك لا تلمني، فأنا كما تعلم جيداً لا يمكن في الغابة هذه، الخروج عن قانون الغاب الذي ولِد معنا. لم يتردد الكلب في تحقيق ما طلبه الذئب منه، وهو يشعر أن ثمة خطأ ما، كان يجب ألّا يحصل، باسم الصداقة طبعاً. في العودة، سلكاً طريقاً أدخلهما إلى المدينة، وهما في غاية الجوع، فقصدا أقرب مطعم، وحين أراد الكلب اقتعاد كرسي مقابل الآخر وبينهما الطاولة، نبّهه الذئب إلى أن في ذلك خرقاً لقانون المدينة، كما هو معروف، لدى كل منهما. طالباً منه أن يأتي بما يشتهيه، مذكراً إياه بالاسم، وأن يبقى واقفاً حتى ينتهي من طعامه، لئلا يكونا مثار الشبهات، في مدينة، تخلص لقواعدها المرسومةتماماً.

***
كانا اثنين. الثعلب وابن آوى. اتفقاً في لقاء عابر على أن يصبحا صديقين، وهما في الأساس قريبان من بعضهما بعضاً في الحجم والهواية المتعلقة باشتهاء اللحم. كان ذلك مبعث غبطة لكليهما، وهما يقفزان هنا وهناك، حتى وجدا نفسيهما في غابة ، فتنبّها، واستعادا ذاكرتهما المكانية. خاطب الثعلب ابن آوى: أنت تعلم هنا بالذات ما يجب عليك فعله. نعم أنا ثعلب وأنت ابن آوى، فلا تلفت الأنظار إلينا، لنكن هادئين، وأنت تأتي لي بصيد يتناسب وحجمي من نوع دجاجة أو ديك حبش أو في حجمهما، وسوف أترك لك ما يشبعك، وأنا أعدك بذلك. لم يجد ابن آوى مفراً مما خوطب به، وهو يستغرب مما جرى، فكان ما كان، وحاولا أن يكونا كما لو أن شيئاً غير مألوف لم يحصل، ولكن ابن آوى ظل مشغول البال، حتى بلوغهما أقرب مدينة، ليندفعا صوب مطعم قريب، تلبية لدافع الجوع المشترك بينهما، وبطيبته أشار ابن آوى إلى الثعلب لأن يجلس أولاً، سوى أن هذا هز ذيله معترضاً بأدبه الثعلبي المعهود، وعينيه النافذتين بنظراتهما، وقال: مهلاً، لا تحرجنا معك، لا يجب علينا الخلط بين نسَب كل منا، لا بأس أن نأكل معاً، ولكن اجلس على طاولة أخرى، وبعد أن تأتي بما أشتهي وأنت تعرف نوع الطعام الذي أحب جيداً، وإلا سوف نصبح مهزلة الكاميرا التي ترصدنا ومن وراءها.

***
كانا اثنين، الحمار البرّي والحمار الأهلي، حيث تقابلا، وهما يمعنان النظر في بعضهما بعضاً، ليصبحا صديقين تهلّل لهما طبيعتهما الحمارية. وسلما نفسيهما للهواء الطلق، وهما يسرعان ويميلان رأسيهما يمنة ويسرة حتى بلغا غابة، جذبتهما إلى داخلها قليلاً، فشعرا بالتعب، وهنا ما كان على الحمار البري إلا أن أصدر أمراً إلى الحمار الأهلي: هناك ما فاتتك معرفته يا شقيقي في النسب الحماري، تقدمْني وأنت تبحث عن رقعة يكثر فيها الحشيش الطري والماء الوفير، واحرص على سلامتي ممن تعرفهم جيداً، فهذه غابة، وعلينا أن نكون في مستواها، وبعد أن أشبع لا بأس أن أمهلك بعض الوقت لتأخذ كفايتك. ما كان في مقدور الحمار الأهلي الاعتراض، فالحمار البري أكثر معرفة بالمكان، وسطوة فيه من الآخر، فكان له ما أراد. وفي طريق العودة أثنى الحمار البري على الأهلي الذي لم يجب إلا بالقليل من الكلام، وهو مصدوم بما جرى، حتى وصولهما المدينة الأقرب إلى الغابة، وبدافع جوعهما، كغيرهم، اندفعا باحثين عن مطعم يستجيب لرغباتهما، فدخلاه، وعبّر الحمار الأهلي عن فرحته للبري رغم كل ما حصل، حيث أعلمه أنهما سيأكلان ما يتلذذان به. لكن الحمار البري أوقفه وهو يرفع قائمته الأمامية اليمنى، ببضعة سنتمترات عن الأرض، تعبيراً عن إتيكيت خاص بالحمار، وهو يقول له: كيف نسيتَ تعليمات المدينة بخصوص قواعد تناول الطعام، حسب المقامات لها حرمتها، ومعروف عنك أنك حمار مربوط أكثر حياتك، ولستَ من هذا النوع، لهذا دعهم يأتون لي بما هو طري ومشبع ماء، من نبات وغيره، حتى الخضروات لا بأس بها، واحذرهم من أن يأتوا لي بما يخصك من تبن وشعير، وقِفْ عند الباب، لئلا يعتبر من يراقبوننا أنك تسيء إلى أدب المكان، وإلى جنسك الحماري نفسه، والذي أنتمي إليه.

***

كانا اثنين، كانا رجلين في أوج نضجهما. تصادقا.. وبالمناسبة هذه، أولما لأناس كثيرين من حولهما، تقديراً لصداقتهما. ثم سلكا طريقاً خارج المدينة، سعيدين بالهواء الطلق العليل من حولهما. بلغا غابة. أحدهما سارع، بمجرد وطْئه لحدود لغابة، إلى إشعال النار فيها، وصديقة في ذهول مما جرى، ولم يتمكن من صده. بالعكس، الذي أحرق الغابة قال لصديقه هذا: أنت تعلم ماذا تعني الغابة، سنكون أكثر سعادة.
وقبل دخولهما المدينة عند رجوعهما، أجهز حارق الغابة على صديقه غفلة، وهو يردد: علي أن أكمّل المهمة التاريخية، أذكّر بها من نسيها، أو غابت عن ذهنه.
ودخل المدينة بمظهر البطل بعد ذلك، وهو يقنع نفسه بذلك، وأعلم ذوي العلاقة أنه قضى على مجرم خطير بحق الجميع، والذي صادقه للأسف، وهو يحرق الغابة، وطارده، وتمكن منه، على مشارف المدينة.
ثم تنفس الصعداء، وهو يردد في نفسه، يا لها من شهادة صادقة! لا أحد يستطيع، ولن يستطيع الطعن فيها الآن وغداً وبعد غد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...